لغوية لها علاقة بمسائل الوقف والوصية المتعلقين بأولاد البنات كي يقيس النازلة عليها فقال: «وقد علم أن ولد البنت ليس من الذرية ولا من العصبة ... وقد روى ابن القاسم عن مالك أن ولد البنت ليس من أهل الرجل، وقال ابن القاسم في موضع آخر: ولد بنت الرجل ليس من قرابته.» ومعنى كلام أبي إسحاق أن الرجل إذا ما حبَّس ماله على أولاده أو ذريته أو عصبته أو قرابته فإن أولاد البنات لا يدخلون في الوقف تحت هذه الألفاظ على مذهب الإمام مالك، وبالتالي لا يُثبت لهم الشرف المتنازع فيه قياسا على ذلك، وفي هذا مبالغة، فالمحفوظ عن الإمام مالك وعن جميع أصحابه المتقدمين والمتأخرين أنه إذا قال المُحبِّس: وَقَفْتُ على أولادي، ويُسميهم بأسمائهم ذكورهم وإناثهم وعلى أولادهم، فإن ولد البنات يدخلون في ذلك. كما أن الظاهر من مذهب مالك أن ولد البنت يدخل في صيغة: وقفت على أولادي ذكورهم وإناثهم ولم يُسمهم وعلى أعقابهم، على ما رواه غير واحد من السادة المالكية. ومع ذلك فإن صيغ الوقف وعباراته مبنية على العرف، فلا يمكن بحال الاستناد إليها في إثبات أو نفي الشرف من جهة الأم، يقول في ذلك الضرير المراكشي «وليست هذه المسائل ـ عبارات الوقف ـ مما نحن فيه في شيء، وإنما الفتوى فيها مبنية على عرف كلام الناس، ومن الدليل على ذلك قول مالك رضي الله عنه في وَقَفْت على ولدي وولد ولدي: ولدُ البنات في هذه المسألة ليسوا بعقب، مقتضاه أنهم عقب في غيرها كالشرف من الأم، وإلا كان تقييده رضي الله عنه لغوًا، وذلك غير لائق به.» ...
ثانيا: مثبتو الشرف من قبل الأم: ... ممن ذهب إلى ثبوت الشرف من جهة الأم فقهاء بجاية وتلمسان، وكذا فقهاء مراكش قاطبة، وهم من السادة المالكية الذين أكدوا على أن نازلة الشرف من جهة الأم لم يحفظ فيها عن الإمام مالك شيء، فدرسوا النازلة على ضوء الاجتهاد المخول به في الشريعة السمحاء، وذلك عن طريق إلحاقها بمباحث النسب والوقف والوصية التي حُفظ عن الإمام مالك فيها الكثير، وهذا ما ذهب إليه الضرير المراكشي في كتابه «إسماع الصُّم في إثبات الشرف من قِبَلِ الأم» الذي أملاه بذي القعدة عام801هـ، حيث عقد فيه مقدمة تحدث فيها عن مباحث الوقف والوصية المتعلقة بولد البنت على ضوء ما صحَّ عن الإمام مالك بقصد إلحاق حكم الشرف من جهة الأم بها. فلم يَركن الضرير المراكشي إلى التقليد لمجرد أن الإمام مالك لم يُبد رأيًا في نازلة كهذه، بل كغيره من فقهاء بجاية وتلمسان عمد إلى تفعيل ملكة الاجتهاد لمعالجة النازلة، باعتبارها نازلة تلحق بغيرها من المباحث الفقهية التي تشترك معها في معان وعلل من شأنها ترتيب الحكم ذاته عليها. إلا أن منطق الجمود الذي خيَّم على ذهنية النفاة وقتها لم يكن من السهل زعزعة رواسبه من أذهانهم إلا بنص صريح عن الإمام