من لقيت من الفاسِيين يلزم عليه لو تزوج يهودي أو نصراني بعد عتقه وإسلامه شريفة أن يكون ولده منها شريفا، وهذا لا يقوله منصف أو مسلم.» وهذا الذي ذهب إليه الإمامان ابنُ عرفة، وشيخه ابن عبد السلام فصّل القولَ فيه ـ من قبلهما ـ شيخُهما أبو إسحاق ابن عبد الرفيع (المتوفى733هـ.) حين قال: «سألني سائل عن مسألة كتب بها إليه رجل قال: إن أم أبيه شريفة وهو مع ذلك يُنسب إلى الشرف، فأجبته عن ذلك أنه لا يصح الانتساب إلى الشرف بهذا القدر .. » ذلك أن الشرف ـ حسب رأيه ـ لا يثبت من جهة الأم بدليل قوله تعالى:"أدْعُوهُم لآبَائِهِمْ هُوَ أٌقْسَطُ عِنْدَ اللهِ." [الأحزاب الآية 5] وقوله:"يُوصيكُمُ اللهُ في أَوْلادِكُمْ للذّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ." [النساء الآية 11] للإجماع المنعقد على أن أولاد البنات لا يدخلون تحت هذا اللفظ. وأجابه الفقيه أبو علي البجائي ـ وهو من مثبتي الشرف من جهة الأم ـ بأن الآية"أدْعوهُم لآبَائِهِمْ"لا تدل على ذلك، بل إن كان المراد بها نادوهم لآبائهم فإن «الآية حينئذ دالة على أن النداء بالأب مطلوب، ولا يلزم منه أن يكون الشرف من جهة الأم أو الجدة غير ثابت، لاحتمال جواز ثبوته مع ثبوت النداء بالأب لكونه من آداب الشريعة ... أما إن كان المراد لقوله تعالى"أدْعوهُم"انسبوهم فإنه أيضا لا يلزم من ثبوت النسبة للأب أن لا يكون منسوبا للأم، وإنما يلزم ذلك أن لو كانت النسبة للأب تنافي النسبة للأم.» وفي اعتقادي أن ما قاله أبو إسحاق بعيد عن المراد، لأن الآية:"أدْعوهُم لآبَائِهِمْ هُوَ أٌقْسَطُ عِنْدَ اللهِ"جاءت ناسخة لحكم التبني بإجماع المفسرين، ومع ذلك لا تخرج نسبةُ الولد إلى أمه من عموم الحكم الناسخ بدليل قوله عليه الصلاة والسلام في عبد الله بن مسعود:"رَضيتُ لأُمَّتي مَا رَضيَ لها ابنُ أمِّ عَبْدٍ"وقوله في عبد الله بن قيس"فَكُلوا واشْرَبُوا حَتىّ يُنَادي ابنُ أمّ مَكْتوم"فلا تكون ـ بهذين الدليلين ـ نسبة الولد إلى أمه حرامًا ولا مكروهًا، قال في ذلك الضرير المراكشي (المتوفى807هـ.) : «إن أريد به نادوهم فلا يلزم منه نفي الحكم بالشرف لمن متَّ إليه عليه السلام بأم، وإن أريد به أنسبوهم وهو الصحيح لتعديته باللام دون الباء، فإن اقتضى الإيجاب كانت نسبة الإنسان إلى أمه حرامًا، والنبي عليه السلام معصوم من ارتكابه ... وإن اقتضى الندب كانت مكروها، والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن ارتكابه، فتبين بهذا أن قصد الآية نسخ حكم التبني لا ما ظنه الشيخ أبو إسحاق رضي الله عنه من دلالتها على أن ولد الشريفة ليس بشريف.» أما استدلال الشيخ أبي إسحاق على نفي الشرف من جهة الأم بقوله تعالى:"يُوصيكُمُ اللهُ في أَوْلادِكُمْ للذّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ" [النساء الآية11] فلا يستقيم إن أبقيناه على عمومه، بدليل أن السِّبطيْن الحسن والحسين عليهما السلام إنما ثبت شرفهما من جهة أمهما فاطمة الزهراء. ثم إن الآية جاءت في سياق الحديث عن الميراث، والإجماع المنعقد على أن ولد البنت لا يدخل تحت اللفظ يخص الميراث لا الشرف. ولم يكتف الشيخ أبو إسحاق بذلك بل عزَّز مذهبه القاضي بإنكار الشرف من قِبَلِ الأم بمباحث