إن ذلك الممسك لماله وقد أغناه الله عز وجل، هو كما قال أبو حاتم: «ومن أراد أن يُهتك عرضه، ويُثلم دينه ويَملّه إخوانه، ويَستثقله جيرانه، فليلزم البخل» (1) .
وقال بعض الحكماء: «الغني البخيل كالقوي الجبان» (2) .
فإياك أخي الكريم أن تكون من هؤلاء، بل اربأ بنفسك عن هذا الخلق الذميم، واعلم كلام الحكماء: «الرزق مقسوم، والحريص محروم، والحسود مغموم، والبخيل مذموم» (3) .
واعلم أن بذل المال محمود؛ قال أبو حاتم: «من أراد الرفعة العالية في العقبى، والمرتبة الجليلة في الدنيا، فليلزم الجود بما مَلك» (4) .
وقال بعض البلغاء: «من بذل ماله أدرك آماله» .
وقال بعض الشعراء:
أترجوا أن تسود بلا عناءٍ…وكيف يسود ذو الدعة البخيلُ (5)
بل إن المنفق ماله في سبيل الله قد برئ من البخل، ومن برئ من البخل نال الشرف.
وقد يسبق الظن إليك أن السخاءُ ينقص الثروة ويُقرِّب من الفقر، ويسلبك نعمة الطمأنينة في ظل مالك الممدود وخيرك المشهود، وهذا الظن من وساوس الشيطان التي يلقيها في النفوس، قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:268] .
وما من شيء أشق على الشيطان، وأبطل لكيده، وأقتل لوساوسه من إخراج الصدقات؛ فعن بريدة- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «لا يخرج رجل شيئًا من الصدقة حتى يفكَّ عنها لحْيَيْ سبعين شيطانا» خرّجه أحمد (6) وغيره، وهو حسن (7) .
(1) «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان (ص197) .
(2) «أدب الدنيا والدين» للماوردي (ص356) .
(3) «الآداب الشرعية» لابن مفلح (ج3) ، (ص307) .
(4) «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان (ص197) .
(5) «أدب الدنيا والدين» للماوردي (ص305) .
(6) «مسند أحمد» المحقق، (ج16) ، (ص482) ، (رقم22858) .
(7) «الصحيحية» للألباني (ج3) ، (ص264) ، (رقم1268) .