لغيرك بُعدًا وسُحقًا ًومَقتا
فجادوا عليك بزُور البكاء
وجُدتَ عليهم بما قد جمعتا
وأرهنتهم كلَّ ما في يديك
وخلَّوك رهنًا بما قد كسبتا (1)
وقال أحد الشعراء:
إذا كنت جمَّاعًا لمالكَ ممسِكًا
فأنت عليهِ خازنٌ وأمينُ
تؤدِّيه مذمومًا إلى غير حامدٍ
فيأكُله عفوًا وأنت دفينُ
وقال آخر:"البخيل حارس نعمته ، وخازن ورثته" (2) .
وقال بعض الأدباء:"ربَّ حظِ أدركه غير طالبه،ودرٍّ أحرزه غير حالبِه" (3) .
وعجيب أن يشقى امرؤ في جمع ما يتركه لغيره ، وإذا لم يستفد المسلم من ماله فيما يصلح معاشه ويحفظ معاده ، فمم يستفيد بعد.
وقد أماط الرسول- صلى الله عليه وسلم - اللثام عن هذه الحقيقة ؛ قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه:قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ؟ قالوا: يا رسول الله ، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه ، قال: فإن ماله ما قدَّم ، ومال وارثه ما أخّر"خرّجه البخاري في صحيحه (4) .
وقد وصف أعرابي ذلك المرء فقال: «عجبًا للبخيل المتعجّل للفقر الذي منه هرب، والمؤخر للسعة التي إياها طلب، ولعله يموت بين هربه وطلبه، فيكون عيشه في الدنيا عيش الفقراء، وحسابه في الآخرة حساب الأغنياء، مع أنك لم تر بخيلًا إلا غيره أسعد بماله منه، لأنه في الدنيا مهتم بجمعه، وفي الآخرة آثم بمنعه، وغيره آمن في الدنيا من همِّه، وناج في الآخرة من إثمه» (5) .
(1) أدب الدنيا والدين،للماوردي ،ص353.
(2) انظر هذا وما قبله في موسوعة نضرة النعيم بإشراف،صالح بن حميد وعبدالرحمن بن ملوح ،ج9،ص 4045رقم32،33.
(3) أدب الدنيا والدين للماوردي،ص 357.
(4) صحيح البخاري ومعه فتح الباري /ج11،ص 313رقم6442.
(5) «الآداب الشرعية» لابن مفلح (ج3) ، (ص318) .