وفي حديث أبي هريرة- رضي الله عنه - أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: «مثل البخيل والمنفق، كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق: فلا ينفق إلا سبغت -أو فرت- على جلده حتى تخفي بنانه وتعفوا أثره، وأما البخيل: فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسِّعها ولا تتَّسع» خرّجه البخاري في صحيحه وغيره (1) .
قال الخطابي: «وهذا مَثَلٌ ضربه النبي- صلى الله عليه وسلم - للبخيل والمتصدِّق، فشبههما برجلين أراد كل واحد منهما أن يلبس درعًا يستتر به من سلاح عدوِّه، فصبها على رأسه ليلبسها.... وجعل البخيل مثل رجل غُلّت يده إلى عنقه، كلما أراد لبسها، اجتمعت في عنقه، فلزمت ترقوته» ا.هـ (2) .
وقال ابن القيم: «فهو كرجل عليه جُبة من حديد، قد جُمعت يداه إلى عنقه بحيث لا يتمكن من إخراجها ولا حركتها، وكلما أراد إخراجها، أو توسيع تلك الجُبّة، لزمت كل حلقة من حلقها موضعها، وهكذا البخيل كلّما أراد أن يتصدّق، منعه بخله، فبقي قلبه في سجنه كما هو» ا.هـ (3) .
وقال المنذري: «والبخيل: كلما أراد أن ينفق منعه الشح والحرص وخوف النقص، فهو بمنعه يطلب أن يزيد ما عنده، وأن تتسع عليه النعم فلا تتَّسع، ولا تستر منه ما يروم ستره» ا.هـ (4) .
قال الخطابي: «والمراد أن الجواد إذا همّ بالصدقة، انفسح لها صدره وطابت نفسه، فتوسّعت في الإنفاق، والبخيل إذا حدَّث نفسه بالصدقة شحَّت نفسه، فضاق صدره وانقبضت يداه» ا.هـ (5) .
(1) «صحيح البخاري» ومعه فتح الباري (ج3) ، (ص385) ، (رقم1443) .
(2) «فتح الباري» (ج3) ، (ص386) .
(3) «الوابل الصيب» لابن القيم (ص62) .
(4) «الترغيب والترهيب» للمنذري (ج1) ، (ص697) .
(5) «فتح الباري» (ج3) ، (ص387) .