الصفحة 18 من 76

ويتراءى للباحث أن تخصيص السيوطي لست من مقاماته في الرد على ابن الكركي جاء لإثبات قدرته على إبراز الصورة الحقيقة للكركي، وما هذا الضرب المتدارك على ابن الكركي في المقامات المرسلة كالصواعق المحرقة على هذا الخصم، إلا رغبة في تحطيم صورته تحطيمًا لا يبقي ولا يذر من ناحية، كما أنها جاءت من ناحية أخرى استجابة للرأي العام الذي كان مبغضًا للحكم المملوكي المتسلط- في آخر أيامه بعد أن كثرت مظالمه ومصادراته- وبخاصة أن قلم السيوطي كان مصوبًا إلى نحر واحد من أعيان السلطة ورموزها في ذلك العصر، ويعضد ذلك خبر طريف رواه شاهد عيان هو الشاذلي تلميذ السيوطي وكاتب سيرته، ويدل ما يرويه على ما حظي به السيوطي من حب العامة وتقديرهم لعلمه وجرأته في الإنكار على الظلمة والمفسدين، ولما عُرف من تصونه وورعه وتقواه من جانب، وعلى عدم الاكتراث والإهمال للكركي وهو في أوج سلطته وتمكنه من الدولة من جانب آخر، يقول الشاذلي:"واتفق اجتماع الشيخ جلال الدين والشيخ برهان الدين الكركي-رحمة الله عليهما-بجامع السلطان قايتباي بالروضة لصلاة الجمعة، كان كلّ منهما بجانب الآخر في الصف الأول خلف الإمام، وكنت أنا خلفهما، فتكلما في مسألة، وإذا بالشيخ برهان الدين احمرّ وجهه وهزّ رأسه، وقال للشيخ جلال الدين- وهو في شدة حنقه وغيظه-: نحن سبقناك للاشتغال بالعلم على المشايخ، وأنت تأخذ العلم بقوة الذكاء من الكتب! فقال الشيخ- وهو في غاية الرياضة-: العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده. وقام الشيخ برهان الدين ولم يتبعه أحد من الخلائق الذين صلوا الجمعة، وحضروا مجلسهما، وجلس الشيخ جلال الدين ساعة لطيفة، وقرأ الفاتحة، وقام فقام الناس كلهم معه…" (1) .

(1) 1.الشاذلي، بهجة العابدين بترجمة حافظ العصر جلال الدين:62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت