"دمه في عنقي، أيشْتُم ربًّا عبدناه ولا ننتصر له؟ إنَّا إذًا لعبيد سوء، وما نحن له بعابدين"، وبكى، ورفع المجلس إلى الأمير بها عبد الرحمن ابن الحكم الأموي (ت 282ه) . وكانت"عجب"عمة هذا المطلوب من حظاياه، أي من أحب الزوجات لعبد الرحمن ابن الحكم، وأُعْلِمَ باختلاف الفقهاء، فخرج الإذن من عنده بالأخذ بقول ابن حبيب وصاحبه، وأمر بقتله، فقُتِلَ وصُلِبَ بحضرة الفقيهين: ابن حبيب، وأصبغ، وعزل القاضي لتهمته بالمداهنة في هذه القصة، ووبّخ بقية الفقهاء وسبهم) [1]
ولنا وقفة يسيرة مع هذه القصة فإن ابن أخي (( عجب ) )تلفَّظ بعبارة تقتضي استخفافًا بالرَّبِّ جلَّ وعلا، وقد لا تكون صريحة في ذلك، والرَّجُل لم يجاهر بهذه العبارة عبر وسائل إعلام مقروءة أو مسموعة أو مرئية، أو دواوين وُزِّع منها قرابة ثلاث ملايين نسخة في مجتمعات تتبنى الإسلام!!، أو قُدِّمَ على أنه شاعر الحب الأول، أو أمير الشعراء في عصرنا الحالي. ومع ذلك فهذه العبارة في غاية النشاز والاشمئزاز في المجتمع الإسلامي آنذاك فلم يقبلها بالكلية، بل نفر منها تمامًا، حتى جعلت أهل العلم في قرطبة يجتمعون لها، ويحكمون على صاحبها بالرِدَّة وإهدار الدم بالقتل، بل بأن يُصْلَب حتى يكون عبرةً لكل زِنْدِيقٍ يحاول التجرؤ على أمرٍ مُقَدَّسٍ في قلوب المؤمنين الموحدين.
أقول: فأين سيف الحق البتار ماله لا يخرج من غمده ويقيم على هؤلاء المرتدين ذلك الحد الذي غاب قرونًا عديدة، وسنين مديدة؛ فإن خشبة الصَّلْب قد حَنَّت لأجسادهم، والأرض في شوقٍ لدمائهم، لتشرب منها تعبدًا لله وتقربًا.
(1) الشفا 2/ 299