الصفحة 41 من 73

برزة لمَّا رأى الرجل قد شتم أبا بكر وأغلظ له حتى تغيَّظ أبوبكر استأذنه في أن يقتله بذلك، وأخبره أنه لو أمره لقتله، فقال أبو بكر: ليس هذا لأحدٍ بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -. فعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان له أن يقتل من سَبَّه ومن أغلظ له، وأنَّ له أن يأمر بقتل من لا يعلم الناس منه سببًا يبيح دمه، وعلى النَّاس أن يطيعوه في ذلك، لأنَّه لا يأمر إلاَّ بما أمر الله به، ولا يأمر بمعصية الله قط، بل من أطاعه فقد أطاع الله. فقد تضمَّن الحديث خصيصتين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم:

إحداهما: أنه يطاع في كل من أمر بقتله.

والثانية: أن له أن يقتل من شتمه وأغلظ له.

وهذا المعنى الثاني الذي كان له باقٍ في حقه بعد موته، فكل من شتمه أو أغلظ في حقه كان قتله جائزًا، بل ذلك بعد موته أوكد وأوكد، لأن حرمته بعد موته أكمل، والتساهل في عرضه بعد موته غير ممكن. وهذا الحديث يفيد أنَّ سَبَّه في الجملة يبيح القتل، ويستدل بعمومه على قتل الكافر والمسلم) [1]

الدليل الخامس:

ما رواه أبو داود عن سعد ابن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: لمَّا كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفَّان، فجاء به حتى أوقفه على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يارسول الله بَايِعْ عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه - ثلاثًا - كلُّ ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال: (أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله) ؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت لنا بعينك؟ قال: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين) [2]

قال شيخ الإسلام شارحًا هذا الحديث: (فوجه الدلالة أنَّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح افترى على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يُتَمِّم له الوحي ويكتب له ما يريد، فيوافقه عليه، وأنه يُصَرِّفه حيث يشاء، ويغيِّر ما أمره به من الوحي، فيُقرُّه على ذلك، وزعم أنه ينزل مثل ما

(1) الصارم المسلول ص 94 - 95

(2) رواه أبو داود، كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد (4359)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت