البلاغيين، وتميزوا من المفسرين بجوانب كثيرة من البحث في السياق، و إن
اشترك كلاهما في دراسة النصوص الشرعية.
وقد تقرر عند الأ صوليين في بدء بحثهم لملمح اللغة والسياق أن اللغة
ظاهرة اجتماعية، و أنها نشأت لحاجة الإ نسان لتؤدي دورًا في التفاهم، وهذا
ما عبروا عنه بمصطلح (سبب الوضع) . وقرروا أن اللغة هي أرقى نظام
.(من العلامات التعبيرية، وأن الصلة بين اللفظ والمعنى اعتباطية عرفية (79
وقد امتلأت كتب أهل الأصول بدراسات مستفيضة لدلالات مبحث السياق،
نجد ذلك في دلالة الأ مر وتخصيص العام والحقيقة والمجاز والمشترك اللفظي
وتقييد المطلق، والقرائن العقلية المتنوعة في توجيه معنى الخطاب. وأغلب
ذلك يدخل في مباحث علم المعاني.
وقد نبه الأ صوليون على أن الأ لفاظ المفردة والتراكيب تتعرض لأنواع من
التغير الدلالي بسبب السياقات اللفظية والمقامية المختلفة، مما يدعو إلى
ضرورة الاستعانة بأنواع السياق بجميع عناصره. الأمر الذي يتضح في
دراستهم للفظ العام، إذ لا يراد به غالبًا العموم؛ وذلك"لأن العموم إنما يعتبر"
بالاستعمال، ووجوه الاستعمال كثيرة، ولكن ضابطها مقتضيات الأ حوال التي
.(هي ملاك البيان"(80"
وهناك نصوص صريحة تد ل على إدراكهم للسياق بأنواعه، ودوره في
الكشف عن المعنى بشكل دقيق، و إدراكهم لعناصره اللغوية والاجتماعية.
فيتحدث الإمام الغزالي (505 ه) عن الوسائل المعينة على فهم الخطاب
الشرعي من أن"طريق فهم المراد تقدم المعرفة بوضع اللغة التي بها"
المخاطبة، ثم إن كان نصًا لا يحتمل كفى معرفة اللغة، وإن تطرق إليه
الاحتمال فلا يعرف المراد منه حقيقة إلا بانضمام قرين ة إلى اللفظ. والقرينة
إما لفظ مكشوف كقوله تعالى:. وآتوا ح. قَّه يوم حصاده. (81) ، والحق
الع. شْر. وإما إحالة على دليل العقل، كقوله تعالى:. والسموات مطويات