المحور الثاني: السياق في دراسات البلاغيين
يظهر إدراك البلاغيين لأ همية ال سياق في اشتراطهم مطابقة الكلام لمقتضى
الحال، واشتهرت مقولا تهم أ. ن: (لكل مق ام مقال) و(لكل كلمة مع صاحبتها
مقام) (42) ، والتي تعبر عن ذلك، إذ لا يقتصر المعنى على السياق اللغوي
(المقال) ، بل يتجاوزه إلى سياق الحال (المقام) . وهذا المبدأ البلاغي تضمنته
صحيفة بشر بن المعتمر (210 ه) الذي نُق. لَ عنه قوله:"المعنى ليس"
يشرف بأن يكو ن من معاني الخاصة، وكذلك ليس يقبح بأن يكون من معاني
العامة، وإّنما مدار الشرف على الصواب، وإحراز المنفعة مع موافقة الحال،
.(وما يجب لكلّ مقام من المقال"(43"
"وقد كان البلاغيون عند اعترافهم بفكرة المقام متقدمين ألف سنة تقريبًا"
على زمانهم، لأ ن الاعت راف بفكرتي المقام أو المقال ب وصف هما أساسين
متميزين من أسس تحليل المعنى ي. ع. د. الآن في الغرب من الكشوف التي
.(جاءت نتيجة لمغامرات العقل المعاصر في دراسة اللغة"(44"
وقد اهتم البلاغيون بملمح السياق وع. دوه أصلًا لما يمكن أن توصله
الرسالة اللغوية، وتنوعت تعليقاتهم حول السياق في إطار بحوثهم المختلفة
للنص القرآني. ونلحظ عند أبي عبيدة (210 ه) إشارته إلى الكيفية التي
يتم التو. صل بها إلى فهم المعاني القرآنية، وإدراك دلالاتها المتنوعة الثرية
وذلك حسب السياق التي ترد فيه، وكان ذلك حافزًا أساسيًا لوضعه (مجا ز
. (القرآن) أو كما يقصده بأنه"الطرق التي يسلكها القرآن في تعبيراته"(45
وقد عمد أب و عبيدة إلى تبيان تلك الطرق الخاصة لأداء المعاني والدلالات
في السياق القرآني ببيان السياق الدلالي لها عن طريق تفسير الكلمة اللغوية
التي تحتاج إلى تفسير بالقرائن السياقية المختلفة كما يشيع ذلك في كتابه.