المبحث الثاني: أهمية العلم بالسنن الكونية والاجتماعية وطرق استخلاصها.
أ أهمية العلم بالسنن
إن حاجة المسلمين اليوم إلى فهم هذه السنن وفقهها، وحسن التعامل معها، والتحكم فيها شديدة؛ حتى يستعيدوا فاعليتهم وقدرتهم على التغيير والإصلاح والبناء، وبذلك تنتفي العشوائية من حركتهم، والفوضى الفكرية من عقولهم، والإرجائية والجبرية من مواقفهم.
وذلك لن يكون بطبيعة الحال إلا بالقضاء على التفسير (الخرافي) للوقائع الاجتماعية، ولحركة الحضارة البشرية، ورفع أسباب الخمود والهمود، والركود والجمود، التي عطلت العقول عن إدراك سنن الله ونواميسه في الكون والمجتمع، والتي أخرجت الأمة المسلمة من تدافع عالم المادة والشهادة والحركة إلى حال من السلب والتواكل"، وشاعت فيها عقيدة الجبر والإرجاء التي انحرفت بركن القضاء والقدر إلى تعطيل قانون السببية تعطيلا كاملا."
ولكي يكون المسلم فاعلا مؤثرا لا بد أن يكتشف هذه السنن والقوانين، ويحسن تسخيرها واستثمارها، ويدرك كيفية التعامل معها، فيصل إلى منزلة مغالبة القدر بقدر أحب إلى الله، أو يفر من قدر الله إلى قدر الله كما قال الفاروق رضي الله عنه.
وقد بين ابن القيم هذه الحقيقة بكلمة مضيئة فقال: (بأن دفع القدر الذي وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله، كدفع قدر المرض بقدر التداوي، ودفع قدر الذنب بقدر التوبة، ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان؛ فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار؛ لا استسلام لها وترك الحركة والحيلة فإنه عجز، والله تعالى يلوم على العجز) [1] .
إن العلم بهذه السنن المبينة في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة أمر مهم جدا؛ بل واجب شرعا ودينا؛ فلا بد أن ينبري من العلماء من يقوم بهذه الفريضة الشرعية والكفائية الغائبة، لأنها جزء من الدين؛ فلا غرو أن نجد القرآن الكريم قد خصص مساحات واسعة قد تزيد عن نصف القرآن للتاريخ وسننه وقوانينه، ومنحنا أصول منهج متكامل في التعامل مع التاريخ البشري وفهم حركته.
(1) 16 مدارج السالكين لابن القيم 1/ 437