قال الإمام الألوسي في تفسير قوله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) : «والمراد من (كل شيء) ما يتعلق بأمور الدين أي بيانا بليغا لكل شيء يتعلق بذلك، ومن جملته أحوال الأمم مع أنبيائهم» [1] .
فدخل في جملة أمور الدين -عند الألوسي -أحوال الأمم التي جرت لهم مع أنبيائهم، والعلم بها ضرورة لاجتناب المسالك التي تفضي إلى المهالك، وحتى لا نقع فيها وقعوا فيه من ضلال الأفهام، وزلات الأقدام.
وقال الشيخ محمد رشيد رضا: «إن إرشاد الله إيانا إلى أن له في خلقه سننا، يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علما من العلوم المدونة؛ لنستمد ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه، فيجب على الأمة في مجموعها، أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن الله في خلقه؛ كما فعلو في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال وبينها العلماء بالتفصيل» [2] .
ويقول في موضع آخر: «إن علماء الصحابة والتابعين وأئمة الأمصار -الذين ورثوا الكتاب بالسليقة - كانوا يفهمون هذه السنن الإلهية في الخلق ويهتدون بها وإن لم يضعوا لها قواعد علمية وفنية لتفقيه من بعدهم فيها؛ ثم زالت السليقة فصاروا يفسرون القرآن والدين بالقواعد والفنون والمعارف الموروثة من الشعوب التي أسلمت، ولم يكن علم الاجتماع قد دونه أحد، لذا لا نرى في تفسيرهم شيئا من هذه السنن الخاصة بسياسة الأمم، بل تنكبوا هداية القرآن فيها، فكانت عاقبة أمرهم ما شكوا منه، ونحاول تلافيه.» [3]
وهكذا يكون العلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها، وهو ليس بدعا من العلوم؛ بل قواعده ثابتة في كتاب الله تعالى، وأصوله مبثوثة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقواله وأفعاله وتقريراته، وعمل الصحابة رضي الله عنهم الذين فقهوا التنزيل، وأدركوا مراميه ومقاصده، فصاروا يتصرفون في ضوء هداية السنن بطريقة عملية وتلقائية.
(1) 17 روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للآلوسي 14/ 214 دار إحياء التراث العربي
(2) 18 تفسير المنار 4/ 140، ط 2، دار الفكر
(3) 19 نفس المصدر السابق4/ 142