وقد نبه على ذلك صاحب «تفسير المنار» فقال: «ولا يحتج علينا بعدم تدوين الصحابة لهذا العلم؛ فإن الصحابة لم يدونوا غير هذا العلم من العلوم الشرعية، التي وضعت لها القواعد والأصول، وفرعت منها الفروع والمسائل، ولا شك أن الصحابة كانوا مهتدين بهذه السنن، وعالمين بمراد الله من ذكرها. وما كانوا عليه من العلم بالتجربة والعمل، أنفع من العلم النظري المحض، وذلك وكذلك كانت علومهم كلها، ولما اختلفت حالة العصر اختلافا احتاجت معه الأمة إلى تدوين علم الكلام وعلم العقائد وغيرها، كانت محتاجة أيضا إلى تدوين هذا العلم، ولك أن تسميه علم السنن الإلهية، أو علم الاجتماع الديني، أو علم السياسة الدينية، سم بما شئت فلا حرج في التسمية» [1] .
وعلى هذا المهيع اللاحب جعلت مدرسة المنار علم السنن الإلهية علما شرعيا أصيلا، وإحدى الوسائل الضرورية من أجل فهم رشيد، واستنباط سديد، لمعاني القرآن المجيد، وهذا الأمر ليس معهودا عند المفسرين من قبل، فكانت هذه إضافة منهجية جديدة أضافتها هذه المدرسة في مجال الأدوات والمناهج العلمية المعتمدة في دراسة وتفسير القرآن الكريم.
ويمكن الجزم أن واقع المسلمين اليوم من التخلف الحضاري، والتدهور الاجتماعي، وذهاب القوة والعزة والسلطان، إنما يعزى إلى جهلهم بالسنن الإلهية في الآفاق والأنفس والمجتمعات، ولا سبيل إلى التقدم والرقي والنهضة واستئناف الدورة الحضارية إلا بفهمها وفقهها، وحسن التعامل معها، وإتقان تسخيرها واستثمارها، واستشراف مستقبلها.
ب- طرق استخلاص السنن
وهنا يرد سؤال هو: كيف نكشف هذه السنن والقوانين، وكيف نستنبطها ونستخلصها ونستخرجها من مكامنها؛ لنهتدي بمعالمها، ونجني ثمارها، ونوظفها في حياتنا الاجتماعية؟
الجواب: إن مصادر ومظان استخراج السنن ترجع إلى أربعة أصول:
(1) 19 المصدر السابق 4/ 139