وهذا المعنى الثالث هو المقصود في هذا البحث، وهو الذي رامه أهل العلم في كلامهم عن سنن الله تعالى.
3 -وجه العلاقة بين السنة الكونية والسنة الاجتماعية
هناك فرق دقيق بين مفهومي السنن الكونية والسنن الاجتماعية، فالسنن الكونية: هي التي تتعلق بالأشياء والظواهر والأحداث المادية والطبيعة غالبا.
أما السنن الاجتماعية: فهي تلك السنن التي تتعلق بسلوك البشر وأفعالهم ومعتقداتهم وسيرتهم في الدنيا، وفق أحوال الاجتماع والعمران البشري، وما يترتب على ذلك من نتائج في العاجل والآجل.
ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الفرق الدقيق فيقول- رحمه الله - بعدما ذكر كثيرا من السنن الشرعية والاجتماعية: ( ... وهذه السنن كلها سنن تتعلق بدينه، وأمره ونهيه، ووعده ووعيده، وليست هي السنن المتعلقة بأمور الطبيعة، كسنته في الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك من العادات) [1] .
ويتضح من هذا التقسيم أن مفهوم السنن الاجتماعية هو موضوع هذه الدراسة، وهو المختص بالأفراد، والأمم، والجماعات، والحضارات من خلال القرآن الكريم.
ولكن لو أمعنا النظر، وأطلنا النفس في البحث؛ لوجدنا أن سنن الله في المجتمعات البشرية امتداد طبيعي لسننه في المجالات الكونية، لأنها قوانين واحدة، وأسباب واحدة، ونواميس واحدة، تصدر عن إرادة واحدة، وتنبثق عن مشيئة واحدة.
يقول الدكتور عبد الكريم زيدان: (وكل الفرق بين الأحداث الكونية المادية وبين الأحداث الاجتماعية هو أن أسباب الأولى واضحة بينة مضبوطة، إذا عرفناها أمكننا الحكم بدقة على نتائجها وميقات هذه النتائج، فالماء مثلا ينجمد إذا بلغت درجة برودته كذا درجة، ويصل إلى الغليان إذا وصلت درجة حرارته إلى كذا درجة وبعد كذا من الوقت، وهكذا.
أما أسباب الأحداث الاجتماعية فهي بمختلف أنواعها من سياسية واقتصادية وحضارية وعمرانية وغلبة ونصر وهزيمة وخذلان .. إلخ.، أسباب دقيقة وكثيرة ومتشعبة ومتشابكة، وقد يعسر على الكثيرين الإحاطة بها تفصيلا .. ولكن مع هذا العسر يمكن
(1) 14 جامع الرسائل لابن تيمية ص: 52 المجموعة الاولى، تحقيق د. محمد رشاد سالم. مطبعة المدني، القاهرة، ط2 1405هـ-1984م