الصفحة 16 من 39

وفي أكثر من موضع يؤكد القرآن الكريم أن النظر والتأمل والبحث الموضوعي والعلمي في تاريخ البشرية، إنما هو جهد مفيد جدا، لن يكون مردوده إلا على الحاضر والمستقبل؛ ولا يمكن فرض اتجاه معين على التاريخ؛ والافتراض سلفا بأن الاقتصاد أو الدين أو الحكم أو الجنس أو ما أشبه، هو الموجه لمسيرة التاريخ، كلا، بل الصواب أن نسير في الأرض حقيقة أو مجازا، وأن ندع التاريخ نفسه يتكلم ليفصح لنا عن سننه الباهرة.

على أنه ليس المراد بالتاريخ، تاريخ المسلمين فحسب، بل تاريخ البشرية حيثما عرف، وتاريخ الأمم في أي أرض كانت وفي أي عصر كانت، وعلى أي ملة كانت، مسلمة أو غير مسلمة، فالعبرة لا تؤخذ من سير المؤمنين وحدهم، بل تؤخذ من المؤمن والكافر، ومن البر والفاجر، لأن الفريقين تجري عليهما سنن الله تعالى بالتساوي، ولا تحابي هذه السنن أحدا، شأنها شأن السنن والقوانين الطبيعية، فقوانين الحرارة والبرودة، والغليان والانصهار، والضغط والانفجار، قوانين كونية عامة، تتعامل مع الموحدين تعاملها مع الوثنيين [1] .

فالتاريخ العام هو المصدر الأساسي للفقه الحضاري، والمختبر الحقيقي لصواب الفعل البشري، قال تعالى: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانت عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [2] فاكتشاف سنن السقوط والنهوض من لوازم البناء الحضاري، والاصلاح المجتمعي [3] .

الأصل الرابع: فقه الواقع.

عرف الإمام ابن القيم أحد نوعي فقه الواقع فقال: (أحدهما: فهم الواقع، والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط بها علما) [4] .

(1) 35 الصحو ة الاسلامية بين الجحود والتطرف، للدكتور يوسف القرضاوي، ص 104.

(2) 36 الروم: 9

(3) 37 أزمتنا الحضارية في ضوء سنن الله في الخلق 14

(4) 38 إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم 1/ 87، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت