الصفحة 17 من 39

وإذا كان هذا التعريف يخص جانب الفقه التشريعي الذي يخضع للمنهج الاستنباطي؛ فإن فقه السنن أي الفقه الاجتماعي الحضاري يخضع للمنهج الاستقرائي لبلوغ نفس الغاية (علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط بها علما) وفق تعبير العلامة ابن القيم.

فبالمنهج الاستقرائي أي استقراء حركة الواقع وأحداث الحاضر الفوارة الموارة، نكتشف السنن الجارية، والقوانين الثابتة والمطردة التي تحكم هذا الواقع من نهوض وسقوط وتداول حضاري، لأن البرهان والدليل على ثبات السنن واطرادها هنا يتحقق من الاستقراء، وليس من الاستنباط، ولعله هو المراد في تأكيد القرآن في غير ما موضع على (السير في الأرض) ، واكتشاف السنن الحاكمة لحركة الحياة والأمم والحضارات.

أما آلات هذا المنهج فهي ما أشارت إليه الآية الكريمة: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) [1] قال الإمام ابن عطية الأندلسي في تفسير هذه الآية: (فالله تعالى أخبر أنه أخرج ابن آدم لا يعلم شيئا، ثم جعل حواسه التي قد وهبها له في البطن سلما إلى إدراك المعارف) [2] ،وفي تفسير الإمام القرطبي: (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) أي: (تعلمون بها وتدركون) [3] .

قلت: وذلك عن طريق النظر والمشاهدة والتأمل والاستقراء والتجارب التي تفضي إلى استخلاص النتائج، وصياغة القواعد.

(1) 39 {النحل:78}

(2) 40 المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 8/ 480 تحقيق عبد الله بن ابراهيم الأنصاري والسيد عبد العال السيد ابراهيم، ط الدوحة بقطر.

(3) 41 الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي 10/ 151، دار الفكر، بيروت ط1/ 1407هـ - 1987 م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت