الصفحة 14 من 39

وهذا الفتح القرآني الجليل هو الذي استلهمه العلامة المؤرخ ابن خلدون في وضع مقدمته حيث فرق فيها بين ظاهر علم التاريخ وباطنه، فهو في ظاهره أحداث ووقائع لا يربطها رابط ولا يجمعها جامع، (وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق) [1] ، وبين ميزة كتابه عن المؤرخين قبله: أنه (أعطى لحوادث الدول عللا وأسبابا، وأصبح للحكمة صوانا، [2] وللتاريخ جرابا [3] 31.

هذا التأسيس الذي أسس به ابن خلدون لعلم الاجتماع، طار كل مطار، وقرع أبواب المدن والأمصار، فاتجه الفكر الأوروبي بعد قرابة أربعة قرون؛ في بداية ما يسمى بعصر النهضة، إلى دراسة التاريخ والكشف عن سننه وقوانينه، فقامت هناك أبحاث متنوعة ومختلفة حول فلسفة التاريخ، ونشأت على هذا الأساس مدارس مثالية ومادية ومتوسطة، نشأت لكي تجسد هذا المفهوم الذي ضيعه المسلمون، ولكن هذا الجهد البشري كله هو في الحقيقة مدين لهذا التنبيه القرآني. [4]

إن أحداث التاريخ تتكرر وتتشابه إلى حد كبير لأن وراءها سننا ثابتة تحركها وتكيفها، ولهذا يقول الغربيون: التاريخ يعيد نفسه، وتقول العرب في أمثالها: ما أشبه الليلة بالبارحة! ويقول الإمام البيهقي: (لا توجد حادثة لم يحدث مثلها من قبل) [5] ، ويقول ابن الأثير: (إنه لا يحدث أمر إلا تقدم هو أو نظيره) [6] .

ولذلك حث القرآن الكريم على السير في الأرض حقيقة أو مجازا؛ وعلى دراسة التاريخ المنظور أو المسطور؛ ببصيرة نفاذة، ووعي حاضر؛ لاستخلاص العبر، واستنباط السنن، لتجنب مواقع الخطأ التي قادت الجماعات البشرية، والأمم والحضارات السابقة إلى السقوط الحضاري، والدمار الاجتماعي، ولسلوك سبيل النهوض والبناء.

ولتتأمل معي هذه الآيات:

(1) 28 مقدمة ابن خلدون، ص 10 تحقيق د. درويش جويدي

(2) 29 والصوان بضم الصاد وكسرها: الوعاء، يقال جعل الثوب في (صوانه) : وهو وعاؤه الذي يصان فيه، أنظر مختار الصحاح للرازي، مادة: صون.

(3) 30 والجراب: وعاء الزاد المصدر السابق، مادة جرب

-31 المقدمة ص: 13

(4) 32 أنظر مقدمات في التفسير الموضوعي لمحمد باقر الصدر، ص:72 - 73

(5) 33 الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، الإمام السخاوي ص 33

(6) 34 الكامل في التاريخ لابن الأثير 1/ 8

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت