جاء في (البيان والتحصيل) لابن رشد، في كتاب السلم والأجل الأول [1] : وسئل مالك عن رجلٍ يبيع السلعة من الرجل بثمنٍ إلى أجل، فإذا قبضها منه ابتاعها رجلٌ حاضرٌ كان قاعدًا معهم، فباعها منه، ثم إن الذي باعها الأول اشتراها منه بعد ذلك في موضعٍ واحدٍ؟ قال: لا خير في هذا كلِّه، ورآه كأنه محلل فيما بينهما.
ما هو الحلُّ إذن؟
إن البنوك الإسلامية نشأت لغاية شرعية نبيلة، وكان وجودها أعظم المنجزات التي تحققت في الحياة الإسلامية المعاصرة، ونجاحها في ذلك أقوى أدلة التعريف بالإسلام، وجذب غير المسلمين إليه، وتثبيت أهله عليه، لكن المطالب لا تنال بالتمني، بل بالعمل الجاد والاجتهاد الدؤوب.
وإن مما يُخشى منه على المصارف الإسلامية مسايرتها للواقع، ورغبتها في الحصول على الربح من أيسر طريق، وهي تعلم قوة المنافسة من المصارف التقليدية في هذه السوق، وخطورة الانزلاق إلى منحدر المخالفات الشرعية الذي يفقدها مصداقيتها، ويسلبها السند الأقوى الذي يكسبها رضوان الله أولًا، ثم رضا المتعاملين معها وهو الالتزام الدقيق بأحكام الشرع وضوابطه، وهذا لا يعني أنها لم تقدم شيئًا بل قدمت الكثير، ولكن الذي ينتظرها أكثر.
ولقد أحدث اتساع قاعدة العمل المصرفي الإسلامي، وتنوع مؤسساته هزة كبيرة في مسيرة هذا العمل؛ لأن الجهود المبذولة في سبيل ضبطه وتطويره لا تستطيع مواكبة اتساعه ونموه، ولذلك نادت عدد من الهيئات المجمعيَّة والشخصيَّات المعنية بشأنه بأهمية المسارعة إلى سدِّ هذه الفجوة والعمل على إيجاد البدائل الشرعية الصحيحة لأعمال البنوك التقليدية حتى تكون هذه المؤسسات وسيلة لتحقيق مقاصد الشريعة في المال، وأداة للتنمية الحقة في المجتمع.
(1) ابن رشد، البيان والتحصيل، 7/ 89.