وصواب العبارة، في ضوء ما تقدم من شروح وتوضيحات، أن يقول:"ويربح المقترض منفعة الوفاء في البلد الآخر". ذلك أن كلًا من الطرفين ينتفع من الوفاء في البلد الآخر، وهو ما تُضيفه السفتجة على القرض. وكلاهما يوفر مؤونة الحمل وأمن الطريق على الغالب، كما قدمنا. لذلك فحديثه عن منفعة الاقتراض فيه خلل، لأن هذه المنفعة يوفرها القرض لا السفتجة، ويقابلها ثواب الله للمقرض. وما تضيفه السفتجة هو من قبيل تبادل المنفعة. على أن عبارة ابن تيمية في الفتاوى نفسها في موضع آخر 29/ 530، و355، إنما هي في غاية الدقة والإيجاز. وما نقدي له ههنا إلا بفضل ما علمنيه هو نفسه، ذلك الإمام الكبير، الذي لم نر مثله بعده (ابن القيم على فضله يبقى تلميذه وناقل علمه) ، ولا ينكر فضلُه على كلِّ من أتى بعده حتى عصرنا هذا، سواء صرحوا بذلك أم لم يصرحوا، وسواء كانوا من أنصاره أو من خصومه، وإني لأنتفع بعلمه ما لا أنتفع بعلم غيره، وذلك لأنه إمام كبير في الفقه والحديث معًا، وفقهه مقارن، وكتبه مطبوعة وجيدة وهو أقرب فقيه إلى عصرنا يعتد بفقهه وتقواه. واثبات ذلك يخرج عن موضوعنا هنا، وله مقال آخر بإذن الله. ولا يغض هذا من فضل الأئمة الكبار الذين سبقوه رضي الله عنهم أجمعين.
واني لأدعو أولئك المتخاصمين في الفقهاء يفضلون هذا، ويكفرون ذاك، لأن يعرفوا إذا أحبُّوا لم أحبُّوا، وإذا كرهوا لم كرهوا، ولأن ينتفعوا من كل إمام بما عنده من علم، فالأمر تذوق ومعاناة، لا محاكاة وتقليد، وطلب حق، لا هوى ولا شهوة ...
من دروس السفتجة:
من المناسب دائمًا أن نحدد حدًا للربا، فلا يدخل فيه ما ليس بربا، ولا يخرج منه ما هو ربا. ومن الربا ما أشكل فهمه على كثير من العلماء، باعتراف الكبار منهم، كابن كثير، والشاطبي، وابن تيمية، وابن القيم. ويضيق المقام هنا عن الإتيان بالشواهد، التي ذكرناها في موضع آخر.
فممّا قدمناه في السفتجة يتبين أن هنالك معاملات يظنُّ أنها ربوية وليست كذلك، منها السفتجة، ومنها زيادة البدل المؤجل في البيع (النسيئة، والسلَم) ، ومنها الاتفاق بين المقرض والمقترض على وفاء القرض بالنقصان (شرط النقصان في وفاء القرض) [1] ومنها حسمُ تعجيل وفاء الثمن المؤجل، ومنها كراء المصوغ (فتاوى ابن تيمية 30/ 194) ، ومنها بيع الحلية المصوغة صياغة مباحةً بأكثر من وزنها في مقابل الصنعة (إعلام الموقعين لابن القيم 2/ 142) ، وإن كان في قلبي
(1) فوفاء القرض بِمِثْلِهِ عَدْلٌ وقضاء، وبالنقصان إحسانٌ وإبراء، وبالزيادة ظُلْمٌ ورباء. قَارِنْ حاشية ابن عابدين 4/ 312.