من المعلوم أن عددًا من رجال الفقه أو الاقتصاد أو القانون المعاصرين حاولوا التفرقة بين نوعين من القروض: قروض الاستهلاك الممنوحة من الأغنياء إلى الفقراء والمضطرين، وقروض التجارة والاستثمار والاستهلاك غير الضروري، والتي قد تكون ممنوحة من أشخاص إلى من هم أغنى منهم، كالقروض إلى الشركات والتجار والدولة، فقالوا بأن الربا هو الزيادة في القروض الأولى، لأن المقترض فقير، ولا يمكن استغلال حاجته بفرض معدل فائدة عليه، بل الموقف يقتضي المساعدة والإحسان. أما قروض النوع الثاني فيباح فيها الفائدة، لأن وضع المقترض لا يمكن المقرض من استغلاله بفرض الفائدة والمتاجرة بحاجته.
وقد يخطر في بال بعض القراء هنا، ولاسيما في ضوء بعض العبارات الفقهية، إن ههنا اعترافًا لفقهاء كبار، بإمكان أن تكون القروض قروض منافع، لا مجرد قروض إحسان فقط!
لكن هذا الخاطر لا يستقر إذا ما عرفنا الأمرين التاليين:
1 -بينا أن السفتجة قرض اقترن بمنفعة إضافية واحدة لكلا الطرفين، بمعنى أن المنفعة نفسها هي منفعة لكل من الطرفين. وهذه المنفعة ليست من قبيل المعاوضة البيعية التي يحقق فيها البائع ربحًا، بل هي معاوضة من نوع خاص، لا ربح فيها لطرف على آخر إطلاقًا، فهي بذلك تنسجم مع طبيعة القرض. فالقرض تبادل متماثلين، بخلاف البيع فإنه تبادل مختلفين، والمنفعة الإضافية التي تحققها السفتجة لكلا الطرفين هي أيضًا عبارة عن تبادل متماثلين، منفعتين متماثلتين، بل المنفعة ذاتها لأحدهما هي منفعة للآخر، وليس هناك أعدل وأدق من هذه المعاوضة الحسابية الدقيقة التي لا يكون فيها أدنى ذريعة إلى المراباة، ولو كانت هذه الإضافة التي تضيفها السفتجة إلى القرض من قبيل المبايعة (= البيع) لما جازت، لورود النهي عن بيع وسلف، لأنه قد يتذرع بربح البيع للوصول إلى منفعة السلف. أما منفعة السفتجة ههنا فالذرائع فيها مسدودة على وجه الدقة والإحكام. ومن هنا قال بعضهم: إنما سميت سفتجة لأحكام أمرها، فاللفظ فارسي معرب، أصله سفته، وهو الشيء المحكم (قارن حاشية ابن عابدين 4/ 295) .
2 -إن الذين ميزوا بين قروض الاستهلاك وقروض الإنتاج لا يستقيم لهم هذا التمييز في ضوء السفتجة. ذلك أن السفتجة جائزة حتى ولو كان القرض ممنوحًا للاستهلاك، فلو احتجوا بالسفتجة لوقعوا في التناقض، لأن منفعة السفتجة جائزة في كل القروض، وهم أرادوا أن يجعلوا