و الطواف بالبيت يجوز في كل حال و في كل وقت، و هو عبادة مستقلة، كما أن الاعتكاف و الصلاة فيه عبادة فاضلة.
فلذلك يجوز لك أن تقصد البيت، و أن تقصد الكعبة بدون إحرام، قصدك أن تطوف و لو لم تكن محرمًا، فحيث إن الطواف بالبيت عبادة من العبادات، فإنه يصح أن يُقْصَدَ لكي يصلي فيه، بل و يجوز أن تُشدّ إليه الرحال و لو مسيرة ألف أو ألفي كيلو أو عشرة آلاف كيلو مترًا، ليس قصدك إلا أن تصلي أو تطوف بهذا البيت كما أنه يقصد لأداء مناسك الحج أو العمرة.
و الطواف بالبيت كما قلنا عبادة من أشرف و أفضل القربات، يتقرب بها المحرم و غير المحرم، و لكن للمحرم ركن، فالطواف بالبيت ركن من أركان العمرة، و ركن من أركان الحج، فالقادم إلى مكة بنية الحج يطوف بالبيت طواف القدوم إذا كان قارنًا أو مفردًا، و كذلك يطوف طواف الإفاضة الذي هو من أعمال يوم النحر، و المذكور في قوله تعالى: (( ثم ليقضوا تفثهم و ليوفوا نذورهم و ليطوفوا بالبيت العتيق ) ) (الحج:29) . و كذلك يطوفون طواف الوداع عند مبارحتهم مكة بعد انتهاء أعمال الحج، فيكون طواف الوداع آخر عهدهم بالبيت.
و في الطواف يستحضر العبد أنه تعظيم لله، ليس بتعظيم للكعبة، و لا لتلك البناية المخلوقة! إنما هو تعظيم لله تعالى، فالكعبة بيتٌ أمر الله ببنائه، فأمر إبراهيم عليه السلام أن يبنيه، و كذلك جدده من بعده، و أضافه الله إلى نفسه في قوله تعالى: (( و طهر بيتي ) )جعله بيتًا له، و لحرمة هذا البيت أمر المسلم بأن يطوف به، تعظيمًا لربه الذي أمر بذلك.
و هذا الطواف يشتمل على ذكر و دعاء و قراءة، و لا يصحُّ فيه غير ذلك، إلا أن الله أباح فيه الكلام، فلا يتكلم حال الطواف إلا بخير، فقد ورد في الحديث:"الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير".
لذلك يشترط في الطواف الطهارة كما تشترط للصلاة، و يشترط له ستر العورة، كاشتراطها للصلاة أو نحو ذلك.
و يبدأ الطواف بمحاذاة الحجر الأسود، فإذا قدر المسلم على استلامه فإنه يقبِّله، فيضع شفتيه عليه من غير تصويت، فإن لم يستطع، لمسه بيده اليمنى و قبّلها، و إن لم يستطع لمسه بمحجن أو عصا، و قبّل رأس المحجن أو العصا، و إن لم يستطع ذلك كله اكتفى بالإشارة إليه -و لو من بعيد- و كبّر و مضى.