الصفحة 25 من 95

و هو ميقات أهل الشام و مصر و المغرب الذين يقدمون عن طريق البحر و ينزلون على السواحل، ثم يركبوا على الرواحل و يسيرون عليها، فأول ما يمرون في طريقهم بالجحفة فيحرمون منها.

و الجحفة بلدة قديمة بينها و بين مكة ثلاث مراحل، و تسمى قديمًا (مهيعة) ، و سميت بالجحفة لأن السيل اجتحفها، و هي الآن خربة، و ذلك لأن النبي صلى الله عليه و سلم دعا لما قدم المدينة:"اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، و بارك لنا في صاعها و مدها، و انقل حُمّاها إلى الجحفة"كما رواه البخاري في فضل المدينة برقم 1889، و مسلم في الحج برقم 1376 عن عائشة مطولًا. فأصابها الوباء فخربت فصار الناس يحرمون قبلها بقليل من بلدة قديمة اسمها (رابغ) و هي مشهورة.

و قد ذكرها ابن حجر في فتح الباري أنها مشهورة بهذا الاسم، و لكنها لم تكن مشهورة في زمن النبوة و لم يرد لها اسم.

فإحرام أهل الشام و من كان على تلك الطريق من رابغ، هو إحرام من الميقات، و ذلك أنه قبل الجحفة بقليل، و من أحرم قبل الميقات بقليل أجزأه إحرامه، بخلاف من أخّر الإحرام حتى تجاوز الميقات كما سيأتي. ثم إن الحكومة أيدها الله تعالى عمَّرت مسجدًا كبيرًا في الجحفة القديمة، و أصلحت له طريقًا معبَّدًا يتصل بالمسجد الذي عمر في الجحفة ليحرم منه الناس و إن كان مائلًا عن الطريق قليلًا.

أما أهل الشام إذا مروا بالمدينة فإنهم يحرمون من ميقات أهل المدينة، و كذلك من مر بالمدينة من غير أهلها، فلو مر بالمدينة بعض أهل نجد أو أهل العراق، لزمهم أن يحرموا من ميقات أهل المدينة، لقول النبي عليه الصلاة و السلام في المواقيت:"هن لهن و لمن أتى عليهن من غير أهلهن". فإذا جاء أهل الشام و أهل مصر بالبواخر و توجهوا إلى جدة فإنه يلزمهم الإحرام إذا حاذوا رابغ، أو حاذوا الجحفة، و هم في نفس السفن أو البواخر قبل نزولهم بجدة، و لا يجوز لهم تأخير الإحرام إلى أن يصلوا جدة، كما يفعله كثير من الجهلة، و ذلك لأن ميقاتهم هو (الجحفة) أو قبلها برابغ، فإذا حاذوها و هم في نفس السفن أو البواخر تجردوا و لبسوا إحرامهم، و لبوا و عقدوا النية، دون أن يؤخروا إحرامهم إلى جدة، و لو قدِّر أنهم وصلوا إلى جدة و هم بثيابهم غير محرمين، ثم أحرموا من جدة لزمتهم الفدية، و هي فدية تجاوز الميقات بغير إحرام، إلا إذا رجعوا إلى رابغ و أحرموا منه، أي إذا رجعوا قبل أن يحرموا فإنه يسقط عنهم الدم، الذي هو دم الجبران. أما إذا أحرموا من جدة، و عقدوا الإحرام فيها فإنه يلزمهم الدم، و لا ينفعهم الرجوع بعد الإحرام.

الميقات الثالث: قرن المنازل (السيل الكبير) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت