الاحتمالين، لانعقاد الإجماع على جواز المسابقة بغير عوض في هذه الثلاثة·
ثانيًا: المعقول:
إن البغال والحمير لا تصلح للكر والفر في الحروب، ولا يقاتل عليها، ولا يسهم لها، فلا تجوز السابقة عليها بعوض (1) ·
الرأي الراجح:
بعد استعراض ما استدل به للمذهبين، وما اعترض به على بعض الأدلة، فإني أرى رجحان ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول، من جواز السباق على البغال أو الحمير في مقابلة عوض يعطى للسباق منها، لما استدلوا به ولما يل:
1 -إن البغال والحمير من ذوات الحافر، وقد شملها عموم الحديث، وما اعترض به على هذا العموم لا وجه له، فإن >سَبَق< في الحديث نكرة، وقعت في سياق النفي، فتفيد العموم والمقصود بالسبق في الحديث: الجعل الذي يعطى للفائز في السباق، وليس المراد به السباق، للإجماع على جواز المسابقة على ما ذكر في الحديث بغير عوض، فالحديث يفيد بعمومه نفي المسابقة على عوض في غير هذه الثلاثة، وذوات الحافر تصدق على البغال والحمير كما تصدق على الخيل، ولو أريد بها الخيل وحدها لعبر به في الحديث، فالحديث يفيد العموم في كل ذي حافر·
2 -إن قول المعترض على دليل المذهب الأول: إنه لو سلم عموم الحديث، لكان محمولًا على ما عهدت المسابقة عليه، وورد الشرع بالحث على تعليمه، وهو الخيل والإبل والسهام، قول واه، فإن الشرع قد حث على تعلم السباحة، وهي مما يعهد في امثلها إجراء السباق، ومع هذا فلا يحمل عليها عموم الحديث السابق، ودليل الحث على تعلم السباحة ماروي عن عطاء قال: >رأيت جابر بن عبد ا& وجابر بن عمير الأنصاريين رضي ا& عنهما يرميان، فملَّ أحدهما فجلس، فقال لصاحبه: أجلست!، أما سمعت رسول ا& صلى ا& عليه وسلم يقول: كل شيء ليس من ذكرا^ فهو سهو ولهو إلا أربع: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وتعلمه السباحة، وملاعبته أهله< (1) وروي عن بكر بن عبد ا& بن الربيع الأنصاري أن رسول ا& صلى ا& عليه وسلم قال: >علموا أبناءكم السباحة والرماية< (2) ·
3 -إن ا& سبحانه وتعالى قد بين النفع في ذوات الحافر جميعًا، فقال جل سأنه والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة (3) ، ولم يفصل سبحانه في الانتفاع بها في الركوب بين ما إذا كان ذلك للجهاد أو غيره، وركوب هذه يقتضي إعدادًا وتدريبًا، فجازت المسابقة عليها بعوض، إذ لا فرق في هذا بين مركوب ومركوب·
4 -إن ما استدل به أصحاب المذهب الثاني على عدم جواز السباق في البغال أو الحمير بعوض، لا يصلح مستندًا لهم، فإنهم استدلوا بالحديث، ووجهوه باحتمال إرادة أحد أمري، ومقتضى هذا أن يسقط استدلالهم به، لأن الدليل إذا دخله الإحتمال سقط به الاستدلال·
5 -إن القول بأن البغال والحمير لا تصلح للكر والفر في الحروب، ولا يقاتل عليها، ولا يسهم لها، موضع نظر، فإن الإبل لا تصلح للكر والفر في الحروب لثقلها، ومثل هذا لا يقاتل عليه إلا نادرًا، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يسهم لها بشيء من المال المغنوم، إذ قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم، أن من غزا على بعير، فله سهم راج، ولم ينقل عن النبي صلى ا& عليه وسلم أنه أسهم لغير الخيل من البهائم، وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيرًا، ولم تخل غزوة من