عليه الزوجان، أو فرضه القانون الذي تراضى عليه الزوجان. وحين يوافق الرجل على إعطاء حقّ الطلاق للقاضي بمقتضى عقد زواجه الأوروبي، فلا يجوز له بعد ذلك أن يرفض حكم القاضي لأنّ القاعدة الفقهية (إنّ من سعى في نقض ما تمّ من جهته، فسعيه مردود عليه) [المادة 100 من مجلّة الأحكام العدلية] .
ج. إنّ عقد الزواج يوجب على طرفيه التزامات ذكرت فيه، أو في قانون الأحوال الشخصية. وإنّ الحكم القضائي لا يصدر عادة إلاّ بناءً لطلب أحد الزوجين. وهو يعطي هذا الطرف حقًا، ويوجب على الآخر التزامًا. فإذا رفض هذا الطرف القيام بالتزاماته المحدّدة بالعقد أو بالقانون اختلّ التوازن بين طرفي العقد، وأصبح التزام الطرف الآخر أمرًا غير مقبول في كلّ القوانين والأعراف لأنّه يناقض العدالة. ولذلك أعطت الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية الطرف الثاني حقّ طلب إلغاء العقد إذا تخلّف الطرف الأول عن تنفيذ التزاماته بل وشرعت له المطالبة بالتعويض. فإمّا أن يلتزم الطرفان بموجبات العقد، وإمّا أن يلغى العقد. أمّا أن يفرض أحد الطرفين على الآخر ما يريد بإرادته المنفردة ودون أن يقبل الطرف الآخر بذلك، فهذا ينافي مقتضى العقد، ويؤدّي إلى إلغائه، والعقد كما هو معروف شريعة المتعاقدين، وهو توافق إرادتين. وقد تمّ هذا التوافق على عقد زواج خاضع لقانون معيّن، فلا يجوز لأحد الطرفين أن يرفض الخضوع لهذا القانون لأنّه عند ذلك يفرض على الطرف الآخر إرادته المنفردة، وهذا يناقض العقد.
فإذا طلبت الزوجة الطلاق وحكم به القاضي، فلا يجوز للزوج أن يتحجّج بأنّ طلاق القاضي غير شرعي، لأنّه بذلك يناقض العقد الذي تمّ على أساسه الزواج.
ح. أنّ رفض هذا الحكم من جهة الزوج بحجّة الشرع يؤدّي إلى تناقض خطير لا يقرّه شرع ولا عقل، إذ يظلّ عقد الزواج قائمًا بالنسبة للرجل ومنحلًا بالنسبة للمرأة، ويفسح المجال أمام الرجل للتعسّف في استعمال حقّه بالطلاق بحيث يؤدّي إلى مضارّة المرأة وهو الأمر الذي منعه النصّ القرآني بوضوح: {ولا تضارّوهنّ لتضيّقوا عليهنّ .. } [سورة الطلاق، الآية 6] . بل يؤدّي إلى مناقضة الشرع نفسه الذي يعتبر (الزواج عقدًا مؤبّدًا في الأصل ولكنّه قابل للانحلال) بينما يريد الرجل المتعسّف أن يحتفظ بالمرأة رغمًا عنها حتّى وفاتها، طالما أنّه ليس هناك جهة شرعية قادرة على الحكم بالطلاق في زواج معقود وفق قانون أوروبي وبين طرفين أو أحدهما من جنسية أوروبية. فإذا كان الحكم القضائي الأوروبي غير مقبول عنده، وليس هناك أيّة إمكانية لصدور حكم شرعي، فقد أصبح هذا الزواج غير قابل للفسخ إلاّ بوفاة أحد الزوجين. وهذا مخالف للأحكام الشرعية المتعلّقة بالزواج وبالعقود، وهو مخالف لمقتضى العقل وبديهيّات الأمور، وهو يؤدّي إلى ضرر كبير يلحق بالمرأة. والشرع نهى عن إلحاق الضرر، والقاعدة الفقهية تقول: (لا ضرر ولا ضرار) [المادة 19 من المجلة] . وهذا نصّ حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني، واتفق العلماء على صحّة معناه وجعلوه قاعدة فقهية مطردة. هذه القاعدة ليست مقيّدة إلاّ بما أذن به الشرع من الضرر (كما يقول الشيخ أحمد الزرقا في شرحه للقواعد الفقهية) . والشرع لم يأذن بمضارّة المرأة وبقائها مقيّدة بزواج لم تعد تستطيع الوفاء بالتزاماته.