شخصًا آخر) [1] . والقوانين الأوروبية إجمالًا تجعل الطلاق بيد القاضي. وعندما يجري الرجل المسلم عقد زواجه وفق هذه القوانين، فهو يعلن صراحة التزامه بها، ومن ذلك جعل الطلاق بيد القاضي، وهذا يمكن اعتباره تفويضًا من الزوج وهو أمر جائز له. ولو قال قائل بأنّ هذا التفويض ليس صريحًا، فلا يُعمل به، قلنا إنّه على الأقلّ يعتبر عرفًا في المجتمعات الأوروبية. والقاعدة الفقهية أنّ (المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا) [المادة 43 من مجلّة الأحكام العدلية] . يقول الشيخ أحمد الزرقاء في شرح القواعد الفقهية - طبعة دار الغرب الإسلامي: (في كلّ محلّ يعتبر ويراعى فيه شرعًا صريح الشرط المتعارف، وذلك بأن لا يكون مصادمًا للنصّ بخصوصه، إذا تعارف الناس واعتادوا التعامل عليه بدون اشتراط صريح فهو مرعي، ويعتبر بمنزلة الاشتراط الصريح) .
ت. ومعروف أنّ الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - يرى أنّ كلّ شرط لم يقم الدليل من النصّ على بطلانه يعتبر صحيحًا ويجب الوفاء به، وخاصّة ما كان منها مقرونًا بعقد الزواج لقوله: (إنّ أحقّ الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج) [رواه الشيخان] . ولقوله: (المسلمون عند شروطهم، إلاّ شرطًا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالًا) [رواه الترمذي وحسّنه] . ولقول عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - لمن شرط لزوجه أن يسكنها دارها، ثمّ أراد نقلها إلى داره، فتخاصما لدى عمر فقال: (لها شرطها. فقال الرجل: إذًا يطلّقننا. فأجابه عمر بتلك الكلمة الدستورية الخالدة: مقاطع الحقوق عند الشروط ولك ما شرطت) [رواه البخاري] .
فإذا كان الشرع يبيح اشتراط كلّ من الزوجين ما يراه لنفسه إلاّ ما نصّ على إبطاله الكتاب أو السنّة، ويكون الشرط ملزمًا شرعًا. فإنّ رضاهما بإجراء العقد وفق القوانين الأوروبية يعتبر التزامًا بهذه القوانين، وتعتبر مواد هذه القوانين كأنّها شروط ملحقة بالزواج، وتخضع بالتالي لأحكام الشروط في العقود، والتي نرى فيها الرجوع إلى مذهب الإمام أحمد - رضي الله عنه -، باعتباره من المذاهب المعتمدة، وهو في هذا الباب أكثرها تيسيرًا على المسلمين في أوروبة.
ث. إنّ الزواج عقد لا يتمّ إلاّ باتفاق ورضا الطرفين. وقد انعقد الاتفاق على التحاكم إلى القانون الذي نشأ الزواج على أساسه. فالتزام أحكام القانون أصبح واجبًا شرعًا بمقتضى العقد الذي التزما به، إذا لم يخالف نصًا شرعيًا. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأصل العقود أنّ العبد لا يلزمه شيء إلاّ بالتزامه، أو بإلزام الشارع له. فما التزمه فهو ما عاهد عليه، فلا ينقض العهد ولا يغدر. وما أمره الشارع به فهو ممّا أوجب الله عليه أن يلتزمه وإن لم يلتزمه. ولهذا يذكر الله تعالى في كتابه هذا وهذا كقوله: {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} [الآية 20 من سورة الرعد] . فما أمر الله به أن يوصل فهو إلزام من الله. وما عاهد عليه الإنسان فقد التزمه، فعليه أن يوفي بعهد الله، ولا ينقض الميثاق إذا لم يكن مخالفًا لكتاب الله) [الفتاوى، جـ 29 ص 341] . وحكم هذا القانون بجعل أمر الطلاق بيد القاضي لا يصادم نصًا شرعيًا طالما أنّه يجوز شرعًا باتفاق الفقهاء أن يفوّض الرجل الطلاق إلى من يريد. فهو بالتالي جائز شرعًا، وحين يتمّ الزواج وفق القوانين الأوروبية يصبح الطلاق تلقائيًا بيد القاضي، وهو جائز شرعًا بتفويض الزوج، وجائز من باب أولى إذا اتفق
(1) - أحكام الأسرة في الإسلام - ص 521 دار النهضة العربية - بيروت.