يقول الإمام الجويني: (فأمّا القول في المناكحات، فإنّا نعلم أنّه لا بدّ منها كما أنّه لا بدّ من الأقوات. فإنّ بها بقاء النوع كما بالأقوات بقاء النفوس .. وإذا أشكل في الزمان الشرائط المرعية في النكاح، ولم يأمن كلّ من يحاول نكاحًا أنه مخلّ بشرط معتبر في تفاصيل الشريعة، فلا تحرم المناكح، فإنّا لو حرّمناها لحسمناها، ولو قلنا ذلك لسبّبنا إلى قطع النسل وإفناء النوع، ثمّ لا تعفّ النفوس عمومًا فتسترسل في السفاح إذا صُدّت عن النكاح) [1]
وإن كانا غير ملزمين بذلك لأنّهما لا يحملان الجنسية بل هما مقيمان هناك ويتمتّعان بجنسية دولة إسلامية، فقد يلحقهما إثم من الإقدام على عقد الزواج وفق قانون أوروبي، وقد يرفع عنهما الإثم إذا وجدت ضرورة أو حاجة دفعتهما لذلك. وفي الحالتين نكون أمام واقعة جديدة وهي:
ثالثًا: عندما يعقد زوجان مسلمان زواجهما وفق قانون أوروبي، يجب عليهما أن يتفقا على إخضاع مفاعيل هذا الزواج للأحكام الشرعية ما أمكنهما ذلك. ومن الواجب أن يكون مثل هذا الاتفاق رسميًا إذا سمح القانون بذلك، وإلاّ يكفي أن يكون خطيًا. في هذه الحالة، وحين يقع خلاف بينهما يختاران حكَمًا من العلماء أو من المسلمين القادرين على القيام بهذه المهمّة، وهذا الحكَم يحاول الإصلاح ما أمكن، فإن تعذّر عليه ذلك حكم بالتفريق بينهما شرعًا، ويصبح تنفيذ هذا الحكم الشرعي وفق الإجراءات القضائية للقوانين الأوروبية أمرًا مشروعًا، وهو السبيل الوحيد لتنفيذ الحكم الشرعي إذا أراده الطرفان. وأعتقد أنّه لا توجد أيّة إشكالية من الناحية الشرعية ولا من ناحية القوانين الأوروبية في هذه الحالة.
رابعًا: إذا لم يتفق الزوجان على إخضاع مفاعيل زواجهما الأوروبي للأحكام الشرعية. أو إذا اتفقا ثمّ نقض أحدهما الاتفاق وادّعى أمام المحاكم الأوروبية طالبًا الطلاق. فالزوج الآخر ملزم بالمثول أمام هذه المحاكم للمطالبة بحقوقه التي يكفلها له القانون، فإذا أثم الزوج الأول بطلبه التحاكم إلى القضاء الأوروبي، فإن الزوج الثاني لا يأثم لأنّه مضطرّ إلى ذلك بحكم العقد أو الجنسية أو الإقامة.
الموقف الشرعي من حكم قضائي بالطلاق صادر عن مرجع أوروبي غير إسلامي:
أحصر الكلام فيما إذا كان الحكم القضائي متعلّقًا بالطلاق. والذي أراه والله أعلم، أنّ هذا الحكم ملزم للطرفين شرعًا كما هو ملزم لهما قانونًا وذلك للأدلّة التالية:
أ. أنّ عقد الزواج الذي تمّ بين الطرفين، إذا كان مستكملًا شروطه الشرعية الأساسية، فهو ملزم للزوجين، والله تعالى يقول: {يا أيّها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [سورة المائدة، الآية 1] . ومقتضى العقد أن يخضع الطرفان لحكم القاضي في التطليق، فإذا رفض أحدهما فقد غدر بصاحبه، وقد ورد عن رسول الله: (يرفع لكلّ غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان) [رواه الشيخان] .
ب. أنّ أحكام الطلاق في الشريعة الإسلامية تجعل الطلاق أساسًا بيد الرجل، لكنّها تجيز له أن يتنازل عن هذا الحق، ويفوّض زوجته أو غيرها بالطلاق. هذا رأي جمهور الفقهاء ولم يخالف في ذلك إلاّ الظاهرية. يقول الدكتور محمد مصطفى شلبي: (والطلاق ممّا يقبل الإنابة، فكما جاز له أن يوقعه، جاز أن ينيب عنه غيره في إيقاعه، سواء أكان ذلك الغير هو الزوجة أو
(1) - غياث الأمم في التياث الظلم. ص 311 - دار الدعوة - الإسكندرية.