الصفحة 46 من 155

أطلب بعفوك من الملاح سمية ... أبدًا، فأنك - لا محالة واجد

والورد - لو فتشت - فرد في أسمه ... ما في الملاح له سمي واحد

هذي النجوم هي التي ربتهما ... بحيا السحاب كما يربي الوالد

فتأمل الاثنين: من أدناهما ... شبها بوالده، فذلك الماجد

أين العيون من الخدود نفاسة ... ورياسة لولا القياس الفاسد (1)

يبين أبن الرومي في قصيدته أن حمرة الورد ليست عرضًا طبيعيًا فيه ولكنه منى بالخجل لتفضيله على النرجس عند من يتوهم ذلك ولو كان يشعر بفضله على النرجس حقًا، لما عراه الخجل ولكنه يعرف أن من أولاه هذه الفضيلة مخالف للحق وهو عارف، ثم أخذ يعقد بينهما ويعدد مزايا النرجس، فذكر أنه قائد زهر الربيع لأنه يخرج متأخرًا مع عناية فصله، وشتان بين من يبشر بإقبال الدنيا ونضرتها، ومن ينذر بأدبارها وانقضاء زهرتها، ثم أن النرجس يمتع بصحبته، وله الفضل على الورد فهو زهر ونور معًا في نبته واحدة، وهو شبيه بنجوم السماء وعيون الناس، وهو لمشاكلته العيون الناظرة الراصدة يحمل النديم على مراعاة الأحتشام وآداب المؤانسة، ويزيد من لذة الشراب، وبهجة الغناء، والنرجس لحلاوة أسمه تتسمى به الحسان، ولا سيما للورد بين الملاح، والنرجس والورد يسقيان بنوء النجوم فجاء النرجس شبيهًا بها، ومشابهة الولد لوالده دليل الكرم ثم ختم القصيدة متسائلًا: كيف ترقى الخدود إلى مكانه العيون في جلالة القدر ونباهة الشأن لولا الأقيسة ... الفاسدة (2) والقصيدة تمتاز بالقدرة البارعة التي لا تنبع إلا من شاعر ذي شاعرية خصبة تمتاز بالاستقصاء والتوليد والجدل والمناقصة وهي من سمات العصر العقلانية التي عكست صميم الواقع الحضاري لهذا القرن. (3)

(1) ديوان أبن الرومي: 2/ 643 - 644 الناحل: المعطى للشيء وناسبه إلى غيره. والبيت العاشر: يريد ... أن النجوم تسقيها بالأنوار-وهي الأمطار-وأصل النوء: النجم مال.

(2) ينظر الشذا المؤنس: 163 - 165.

(3) ينظر الشعراء الكتاب في العراق في القرن الثالث الهجري، ت حسين صبيح العلاف، ط1، منشورات مؤسسة الأعلمي-بيروت 1975 - 388.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت