وكان الشاعر أبن الرومي محبًا للنرجس مستهترًا به: (1)
يا حبذا النرجس ريحانه ... لأنف مغبوق ومصبوح
كأنه من طيب أرواحه ... ركب من راح، ومن روح (2)
وكيف لا يحب أبن الرومي النرجس فهو زهر ونور معًا جميل الشكل، بديع اللون، ذكي الرائحة ولا سيما أنه كان شاعرًا يستهويه الحسن والجمال. (3)
ولكن أبن الرومي لم يقف عند حد مدح النرجس والإعجاب به بل تورط مع غريزة الذم التي ركبت به فعمد إلى عقد موازنة بين الورد والنرجس في قصيدة مع امتلائها بالظلم والتحامل والخروج على دائرة العدل تعد من طرائف الأشعار حيث كال فيها الثناء على النرجس، بينما أحال بكل نقيصة على الورد (4) وهذا النوع من المدح المقرون بقسيمة الذم، أو الذم المصحوب بما يعادله من المدح، هو أبلغ وأدق ... وأعمق ألوان الثناء والهجاء!! (5) ذلك لأنه كعرضك للشيء مصحوبًا بالدليل والبرهان، والكشف والتوضيح.
يقول:
خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلًا توردها عليه شاهد
لم يخجل الورد المورد لونه ... إلا وناحله الفضيلة عاند
فصل القضية أن هذا قائد ... زهر الرياض وأن هذا طارد
شتان بين أثنين: هذا موعد ... بتسلب الدنيا، وهذا واعد
وإذا أحتفظت به فأمتع صاحب ... بحياته، لو أن حيا خالد
يحكي مصابيح السماء وتارة ... يحكي مصابيح الوجوه تراصد
ينهي النديم عن القبيح بلحظه ... وعلى المدامة والسماع مساعد
(1) مستهترًا بالشيء بالبناء للمجهول: المولع لا يبالي ما فعل.
(2) ديوان أبن الرومي: 2/ 559، المغبوق: من شرب شراب المساء، والمصبوح: من شرب شراب الصباح.
(3) ينظر الشذا المؤنس في الورد والنرجس: ت علي الجندي، ملتزم الطبع مكتبة الأنجلو المصرية ... (1381, 1961) - 163.
(4) ينظر الشذا المؤنس في الورد والنرجس: 163.
(5) ينظر فنون بلاغية البيان - البديع: د. أحمد مطلوب-ط1 - دار البحوث العلمية-الكويت- ... (1395 - 1975م) -307 - 308.