يُخيِّرها بين أن تتنصَّر أو تفارق، فوجدتْ نفسَها بين ثلاث: إما أن تتنصَّر، وهذا ما لا تفعلُه ولو مُشِطَ لحمُها بأمشاط الحديد وقد ذاقتْ حلاوة الإيمان، وإمَّا أن تعود لبيْت أبيها بمكَّة، ولم يزل قلعة للشِّرْك لتعيش مغلوبة مقهورة، وإمَّا أن تبقى في بلاد الغُرباء وحيدةً شريدةً، هولٌ به باتت الأهوال تحتقر، فاختارتْ رضا الله على ما سِواه وقرَّرت الفِراق والبقاء في أرض الغرباء كالقمَّة الشمَّاء.
والنَّار في الأعماق لكن ما أروعَ الإصرارَ رغم الظما! علِم رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - خبَرَها فخطبَها وتزوَّجها، فعادت بخير ما عادتْ به امرأةٌ على وجْه الأرض؛ كانت زوجًا لفرْدٍ وارتدَّ فصارت زوجًا لخاتم النَّبيين، كانت أمًّا لحبيبةَ، فصارتْ أمًّا لجميع المؤمنين.
وَاسْتَقْبَلَتْ رَمْلُ عَهْدًا لا نَظِيرَ لَهُ فِي كُلِّ مَا سَجَّلَ التَّارِيخُ مِنْ حِقَبِ
ويَموت أبو سلمة - رضِي الله عنْه - مُجاهدًا في سبيل الله معه، فيخلفه في أهلِه وولدِه ويتزوَّج أمَّ سلمة - رضِي الله عنها - ويقول مقالةً بشمائلَ أحلى من السلْسالِ: (( عيالُك عيالي ) ).
فَنَالَتْ بِهِ فَوْقَ مَا تَرْغَبُ وَمَا مِنْ لِسَانٍ لَهَا يُعْرِبُ
ويفِي لجعفرٍ - رضي الله عنْه - في حياته وبعد مماتِه، فحين استشهد بمؤتة حزِن عليه النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وطلب أبناءَه فشمَّهم، وذرفت عيناه عليْه، وأوصى أصحابَه ألا يغفلوا عنهم وأن يصنعوا الطَّعام لهم، فقد أتاهم ما شغلهم، ثمَّ جاءهم بعد ثلاثٍ فقال: (( لا تبْكوا على أخي بعد اليوم ) )، ودعا بني جعفر فجاؤوا كالأفراخ، فأمر بِحلقِ رؤوسِهم ثمَّ دعا لهم: (( اللَّهُمَّ اخلف جعفرًا في أهلِه، وبارِكْ لعبدالله بن جعفر في صفقة يمينِه ) )، وقال لأمِّهم لما ذكرتْ يُتْمَهم وجعلت تحزنُه عليهم: (( العيلة عليهم تَخافين وأنا وليُّهم في الدنيا والآخرة؟! ) ).