استلَّ سيف أحدِهم بالحيلة عليْه فقتله به، وأرادَ الآخر فألقَى سيْفه ورحْلَه ونعله فارًّا إلى المدينة، تطير الحصى من تحت قدميْه، عاضًّا على أسفل ثوبِه، والذعر في عينيه والموْت في شخْص أبي بصير يتبعُه، يستغيث وقد دخل المسجِد: قتل صاحبي وإني لمقتول، وأبو بصير خلفه.
بَطَلٌ لَمْ يُطَأْطِئِ الرَّأْسَ إِلاَّ فِي رُكُوعٍ لِرَبِّهِ وَالسُّجُودِ
بَطَلٌ يَرْكَبُ الصِّعَابَ بِنَفْسٍ تَأْخُذُ العِزَّ مِنْ جِبَاهِ الأُسُودِ
يقول: يا رسول الله، قد أوفى الله بذمَّتك ورددتَني إليْهم، أنجاني الله منهم.
دهاءٌ وبطولة تستحقّ أن تكون مشعلًا لخِدْمة الإسلام، وإزْعاج الكفَّار، يدْفَعُها - صلَّى الله عليْه وسلَّم - ملمِّحًا لا مصرِّحًا: (( ويل أمِّه مسعرَ حربٍ لو كان له أحد ) ).
وبالإشارة اللبيبُ يفهمُ.
عرف أنَّه سيردُّه، فخرج إلى سيْف البحْر ولحِق به أبو جندل وكلُّ مَن أفلت من المشْركين، فكوَّنوا عصابةً تعترِض عير المشْركين وتقطع طريقَهم إلى الشَّام، وتفوِّت عليهم مصلحة الصُّلح مع المسلمين ليأْتوا خاضعين ذليلين منكّسي رؤوسِهم، يتنازلون عن شرْطهم ويستشْفعون برسولِ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أن يأوي كلَّ مَن خرجَ إليْه من المسلمين، تلْكم والله عاقبة الوفا.
يَطْوِي الوَفَاءُ الأَدْعِيَاءَ وَزَيْفَهُمْ وَمَآلُهُمْ عَارٌ وَصَمْتٌ مُطْبِقُ
وَيَظَلُّ حُرَّاسُ العَقِيدَةِ ذِرْوَةً مِثْلَ النُّسُورِ عَلَى الجِبَالِ تُحَلِّقُ
ويا معشر الإخوة:
هكذا يفعل الإيمان في قلوب معتنِقيه، فلو أنَّ ما حلَّ بأبي بصير كان مع رجُلٍ من رجالات الدنيا، لارتدَّ عن دينِه وانقلب عدوًّا له، لكنَّ أبا بصيرٍ رجلُ عقيدة، تحوَّل من جندي في جيش المسلمين لو آوَوْه، إلى قائد كتيبة تقضُّ مضاجع المشركين، وترغمهم على تغْيير سياساتِهم السَّطحيَّة، ثمَّ يظلُّ ولاؤُه لله ولرسولِه وللمؤمِنِين.