مَنْ كَانَ مِنْكُمْ وَاثِقًا بِفُؤَادِهِ فَهُنَاكَ مَا أَنَا وَاثِقٌ بِفُؤَادِي
ورسولُ الله - صلى الله عليْه وسلَّم - أرْسى من ثبيرٍ، ومن كلِّ جبلٍ كبير، يُبقي منارَ وفاءٍ باعث في نفْس صاحبِه الأمل والرَّجاء: (( يا أبا جندل، اصبِر واحتسِب؛ إنَّ الله جاعلٌ لك ولمَن معك من المستَضْعَفين فرجًا ومخرجًا، إنَّا قد عقدْنا مع القوم صلْحًا وأعطيْناهم على ذلك عهْد الله، وإنَّا لا نغدر بهم ) )، فإن حال دون الشَّمس سدٌّ من السحب، سيبقى نهار الصِّدْق أبيض مبصرًا، والسَّيف يشرق مغمدًا أو منتظرًا، وما أن وصل - صلَّى الله عليْه وسلَّم - المدينة حتَّى أفلتَ أبو بصير وقدِمَ المدينة، فأرسلتْ قُرَيْش في طلَبِه رجُلين تقولُ: العهدَ الذي جعلت لنا، وفي مثالٍ عالٍ من الوفاء بالعهْد والحرص على سُمعة المسلمين الأخلاقيَّة، قال - صلَّى الله عليْه وسلَّم: (( يا أبا بصير، إنَّا قد أعطيْنا هؤلاء القومَ ما قد علِمْتَ، وإنَّه لا يصلح في دينِنا الغدر، وإنَّ الله جاعلٌ لك ولِمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، فانطلِق مع القوْم ) )، ثمَّ دفعه إلى الرجُلين.
يُغالب بالإيمان تيَّارًا ويروض زخارًا ويقاوم إعصارًا، ويا لله إنَّه ليس من السَّهل أن يدفعَ صاحبَه إلى أعدائِه! لكنَّ الوفاء بالعهود هو شرعُ الله ودينه، وإنَّما يظهر الالتِزام بشرع الله في المواقِف الحرِجة العصيبة، ففي طاعة المولى تهون الشدائدُ.
خرج أبو بصير بلا أسًى؛ فقد وعَدَه بالفرج مَن لا ينطق عن الهوى، ولمَّا بلغوا ذا الحُليفة ونزلوا يأْكلون من تمرٍ لَهم، جاء الفرَج والمخرج ولا حرج.
قَدْ قَيَّدُوهُ فَمَا أَطَاقَ قُيُودَهُمْ وَالحُرُّ يَأْبَى أَنْ يَعِيشَ مُقَيَّدَا
رجل حربٍ من الدرجة الأولى.
فَتًى لا يَنَامُ عَلَى ذِلَّةٍ وَلا يَشْرَبُ المَاءَ إِلاَّ بِدَمْ