لم يتخلَّف وفاؤه - صلى الله عليه وسلَّم - لأعدائه وقد جهدوا لإطفاء دعوتِه، وكادوا له ولصحابته، فأرغمهم على الاعتراف بفضله وهم في أوج عداوته، يقول مكرز لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم:"ما عُرفتَ بالغدْر صغيرًا ولا كبيرًا؛ بل عرفتَ بالبِرِّ والوفا".
لَقَّبْتُمُوهُ أَمِينَ القَوْمِ فِي صِغَرٍ وَمَا الأَمِينُ عَلَى قَوْلٍ بِمُتَّهَمِ
أبو سفيان عدوٌّ آن ذاك، على إبداء المثالب لو وجدها، وطمس الحقائق لو قدَرَ عليْها، ومَعَ بالِغ حرْصِه على مَطْعَنٍ يُدْخِله في إجابتِه، لمَّا سألَه هرقل الرُّوم: أيغدُر محمَّد؟ لم يستطع إخفاء شمس وفائِه - صلى الله عليه وسلَّم - فقال:"لا".
أيعمى العالمون على الضياء؟!
فقال هرقل: وكذلك الرُّسُل لا تغدُر.
مَتَى قُلْتَ إِنَّ الصُّبْحَ لَيْلٌ فَقَدْ بَدَا إِلَى كُلِّ ذِي عَيْنَيْنِ أَنَّكَ كَاذِبُ
والحق يشهد والخلائقُ تشهدُ أنَّ وفاءَه لأعدائِه لا يقدر على مثلِه غيرُه؛ لأنَّه كما قال فيه ربُّه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] .
ومن أعظم صور وفائه لأعدائِه:
وفاؤه بعقْد الحديْبية الَّذي امتعضَ منه بعض أكابر الصَّحابة لبالغ قسْوته بادي الرَّأي؛ نتيجة إصرارِ قريشٍ على إملاء شروط عنجهيَّة يعظم على قلوب الأحْرار الَّتي لم يؤيِّدها الوحي قَبُول ذلك، ومنها: أنَّ مَن جاء مسلمًا رُدَّ عليهم، وما كاد عقْد الصُّلح يَمضي حتَّى جاء أبو جندل بن سُهيلٍ مفاوضِ قريشٍ يرصف في قيودِه مستصرخًا، فقام أبوه وأخذ بِتلابيبِه وقال: يا محمَّد، قد لجَّت القضيَّة بيْني وبيْنك قبل أن يأتيَك هذا، هذا أوَّل ما عليه أُقاضيك، فقال له - صلَّى الله عليْه وسلَّم: (( صدقتَ، وردَّه إليه ) )، وأبو جندل - رضي الله عنه - يُنادي بصرخاتٍ تهزّ الجَنان وتحلْحل الأرْكان، أشدّ على القلْب وأثْقل من رضوى وثهلان: يا معشر المسلمين، أأُردُّ إلى المشركين ليفتِنوني عن ديني؟!