الصفحة 55 من 73

وقد حافظت أسطوانات المسجد النبوي على أماكنها خلال توسعات المسجد المتلاحقة منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وحتى عصرنا الحاضر، حيث تحرى ذلك كل من زاد أو جدد في المسجد النبوي الشريف، وخاصة الأسطوانات المشهورة الواقعة في الروضة الشريفة، والتي ارتبط اسمها بمآثر مدونة في كتب الحديث والتاريخ. ومن أشهر هذه الأسطوانات:

تقع هذه الأسطوانة [1] في قبلة المحراب النبوي، ملاصقة لتجويف المحراب من الجهة اليمنى.

ويذكر السمهودي أن موقعها الأصلي على يمين المحراب النبوي الشريف، في موضع كرسي الشمعة الذي عن يمين الإمام الواقف في المصلى الشريف [2] ، وأنها قدمت في إحدى عمارات المسجد النبوي عن موضعها إلى جهة القبلة مقدار ذراعين، لكنه لم يُبيِّن متى حدث ذلك.

وينقل عن ابن النجار أن هذه الأسطوانة أقيمت في مكان الجذع الذي حَنَّ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - . ولكنه لم يذكر متى أقيمت.

والذي يظهر لنا - والعلم عند الله - أن هذه الأسطوانة لم تكن موجودة في العهد النبوي الشريف، لا عند البناء الأول للمسجد حين كانت القبلة إلى بيت المقدس، ولا عند تحويل القبلة، ولا حتى عند توسعة النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسجد في السنة السابعة للهجرة؛ لأن موضعها كان آنذاك جدار المسجد الجنوبي كما يظهر من الشكل (1) ومن المعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يوسع المسجد من جهة القبلة، وليس من طرق البناء لا في ذلك العهد ولا في العهود اللاحقة ـ فيما أعتقد ـ أن تقام أسطوانة أو عمود في الجدار؛ إذ لا فائدة منه.

وربما يفترض بعضهم أنها أقيمت للدلالة على مكان الجذع الذي حنَّ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ذكر ابن النجار.

(1) بتشديد اللام وفتحها، أي: الملطخة بالخلوق وهو الطيب.

(2) ولا عبرة بالروايات التي تشير إلى أنها كانت على يسار المحراب، لأنها شاذة أو مؤولة كما ذكر السمهودي في الخلاصة 2/49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت