الصفحة 56 من 73

أقول: لم أقف على دليل واحد يؤيد ما ذكره ابن النجار، لا في الأخبار الصحيحة ولا حتى في أقوال العلماء قبله، ومثل هذا الأمر لو حدث أعني: لو قام الصحابة ببناء أسطوانة مكان الجذع الذي حنَّ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - للدلالة عليه؛ لاشتهرت بين المختصين في هذا الجانب على أقل تقدير، أو لسميت هذه الأسطوانة بـ «أسطوانة الجذع» ، أو عرفت بأنها عَلمٌ عليه . ومن هنا فإن المطري لم يرتض كون هذه الأسطوانة أقيمت في مكان الجذع، وقال [1] :"والأسطوانة التي قبلي الكرسي متقدمة عن موضع الجذع، فلا يعتمد على قول من جعلها في موضع الجذع".

يشير بهذا إلى ما نقله ابن زبالة عن عبد العزيز بن محمد في تحديد مكان الجذع:"أن الأسطوان الملطخ بالخلوق ثلثاها أو نحو ذلك محرابها موضع الجذع الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب إليه".

وهذا ما يفسر لنا سر إهمال معظم المؤرخين - قبل السمهودي- لذكرها ضمن الأساطين المشهورة في الروضة [2] .

والظاهر أن هذه الأسطوانة بنيت مع توسعة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للمسجد حين هدم جدار المسجد الجنوبي الأول وقدمه بمقدار خمسة أمتار، وبنى رواقًا واحدًا، فكانت هذه الأسطوانة ضمن أعمدة الرواق الذي زاده الفاروق، وهي في صف بقية أسطوانات الرواق كما يظهر في الشكل (1) .

(1) التعريف بما أنست الهجرة ص 93 - 94. قلت: وكذا قال المراغي في تحقيق النصرة ص 97، وانظر الخلاصة 2/48.

(2) انظر على سبيل المثال لا الحصر الدرة الثمينة لابن النجار ص 144 فما بعدها، التعريف بما أنست الهجرة ص 91-92، تحقيق النصرة ص 91. المغانم المطابة 1/400 فما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت