ويعقب ابن الصلاح على قول السمعاني بقوله:
والذي تقتضيه القواعد أن نفصل فنقول: إذا أفتاه المفتي نظر فإن لم يوجد مفت آخر لزمه الأخذ بفتياه ولا يتوقف على التزامه لا بالأخذ به في العمل به ولا بغيره، ولا يتوقف أيضًا على سكون نفسه إلى صحته في نفس الأمر فإن فرضه التقليد كما عرف وإن وجد مفت آخر فإن استبان له أن الذي أفتاه هو الأعلم الأوثق لزمه ما أفتاه به بناء على الأصح في تعيينه كما سبق وإن لم يستبن ذلك لم يلزمه ما أفتاه به بمجرد إفتائه إذ يجوز له استفتاء غيره وتقليده ولا يعلم اتفاقهما في الفتوى فإن وجد الاتفاق أو حكم به عليه حاكم لزمه حينئذ.
وقد ذكر الخطيب البغدادي (14) أوصاف المفتي الذي يلزم قبول فتواه من أن يكون عدلًا ثقة عالمًا بالأحكام الشرعية.. الخ وأورد عن الشعراني قوله: للرجل أن يفتي إذا كان بصيرًا بالرأي بصيرًا بالأثر.
وقال الخطيب البغدادي إذا لم يكن بالموضع الذي هو فيه مفت سواه لزمه فتوى من استفتاه لقوله تعالى:"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون". البقرة/ 159.
وقوله تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون } . آل عمران/187.
الخلاصة: ونخلص من ذلك إلى:
أولًا: أن الفتوى واجبة على المفتي إذا سئل لم يوجد مفتٍ آخر.
ثانيًا: وأن المستفتي لا يلتزم بفتوى المفتي وجوابه إلا:
(1) إذا ألزم نفسه.
(2) إذا أخذ في العمل بقول المفتي وجوابه.
(3) إذا وقع في نفسه صحته وحقيته وهذا أولى الأوجه عند من يراه.
(4) إذا اختار المفتي.
(5) أن لم يكن بالموضع الذي هو فيه مفت سواه.
(6) إذا استبان للمستفتي أن الذي أفتاه هو الأعلم الأوثق (15) .
(7) إذا اتفق قول من وجده منهم أو حكم بقول المفتي حاكم (16) .