ونستطيع أن نلمس جانبا أخرا من تلك الرعاية اللاحقة المتمثلة في رفع معنوية المعاقب من خلال عدم التشهير به وذلك بإقامة الحد عليه في البيت وبعيدا عن أعين الناس، فلقد عقد البخاري - رحمه الله - بابا في صحيحه سماه: ( باب من أمر بضرب الحد في البيت ) وأورد حديث ابن النعيمان الذي أتي به وقد شرب الخمر فشق ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - مشقة شديدة، وأمر بإقامة الحد عليه في البيت، وعليه قال بعض الفقهاء رحمهم الله بجواز إقامة الحد في غير ملاء من الناس [1] .
وفي حادثة أخرى في عهد الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه يمكننا أن نري هذه الرعاية اللاحقة النفسية جلية فلقد أورد ابن الأثير الحادثة التالية: في سنة ثمان عشرة من الهجرة أصاب المسلمين مجاعة شديدة وجدب وقحط وهو عام الرمادة وفي ذلك العام ورد كتاب من أبى عبيده إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - يذكر فيه أن نفرا من المسلمين شربوا الخمر منهم ضرار وأبو جندل ... فأمر عمر رضي الله عنه بإقامة الحد وجلدهم ثمانين جلدة، وبعد أن جلدوا لزموا البيوت من حيائهم، فكتب أبوعبيدة إلى عمر رضي الله عنه أنهم قد لزموا البيوت بعد جلدهم وأن أبا جندل قد وسوس ، إلا أن يأتيه الله على يديك بفرج فاكتب إليه وذكره، فكتب إليه عمر ، وذكره وقال في كتابه: من عمر إلى أبى جندل إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فتب وارفع رأسك وابرز ولا تقنط فإن الله عز وجل يقول: ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم ) فلما قرأه عليه أبوعبيدة تطلق وأسفر عنه، وكتب عمر إلى الآخرين بمثل ذلك فبرزوا وكتب عمر إلى الناس عليكم أنفسكم.. ولا تعيروا أحدا فيفشو فيكم البلاء [2] .
(1) فتح الباري ، مرجع سابق ، ج 12 ، ص 65 .
(2) الكامل في التاريخ ، مرجع سابق ، ج 2 ، ص 388 .