وعلى ذلك عد بعض الفقهاء - رحمهم الله - أن سنة الحد أن يستتاب صاحبه إذا فرغ من إقامة الحد عليه . فلقد روى أن رجلا جلد في فرية ـ قذف ـ فلما فرغ منه قيل إن من الأمر أن يستتاب عند ذلك، فقال رجل للمجلود تب فقال أتوب إلى الله [1] .و روى الصنعاني في المصنف أن علماء أهل المدينة لا يختلفون في أنه يستتاب كل من فعل شيء من تلك المحظورات الشرعية [2] وكأن الأمر أصبح إجماعا عندهم ، ومن ذلك أيضا، حث النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على الدعاء بالتوبة والمغفرة لمن أقيم عليه الحد كما مر معنا في حادثة الذي جلد لشربه الخمر .
وفي حديث المخزومية التي سرقت وأقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليها الحد بقطع يدها فقد ورد في روايات أخرى صحيحة للحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بعد ذلك - أي بعد قطع يدها - يرحمها ويصلها وكان يقول لها أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك [3] ، ولا شك أن فعله - صلى الله عليه وسلم - ذلك فيه رفع كبير لمعنوية تلك المخزومية التي أقيم عليها الحد، وجعلها تعيش بروح جديدة تتمثل في أنها مطهرة من الذنوب فهي كيوم ولدتها أمها خالية من الذنوب، أفلا ترى في فعله هذا عليه الصلاة والسلام كيف يجعل المجرم ينسي ماضيه ويبدأ حياة مستقيمة بعد أن ضمن له غفران ما سلف .
لذا لا عجب أن نجد عائشة رضي الله عنها تقول بعد ذلك عن تلك المرأة المخزومية أنها تابت وكانت حسنة التلبس وتزوجها أحد الصحابة من بنى سليم [4] .
(1) المصنف ، مرجع سابق ، ج 7 ، ص 389 .
(2) المصنف ، مرجع سابق ، ج 7 ، ص 389 .
(3) فتح الباري ، مرجع سابق ، ج 12 ، ص 95 .
(4) فتح الباري ، مرجع سابق ، ج 12 ، ص 95 .