فقال عمر - رضي الله عنه -: ما اسمع هجاء ولكنها معاتبة . فقال الزبرقان: أولا تبلغ مرؤتي إلا أن أكل وألبس والله يا أمير المؤمنين ما هجيت بيت قط أشد على منه . فسأل عمر حسان بن ثابت - رضي الله عنهما - فقال حسان: نعم وسلح عليه، فألقاه عمر في حفرة اتخذها محبسا له فقال أبياته المشهورة يستعطف فيها أمير المؤمنين عمر ـ رضي الله عنه ـ
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
وشفع له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فرق له عمر وأخرجه وقال له إياك وهجاء الناس، فقال الحطيئة إذن يموت عيالي جوعا، وهذا مأكلة عيالي، وهو مكسبي، ومنه معاشي . وحينئذ اشتري منه عمر ـ رضي الله عنه ـ أعراض المسلمين جميعا بثلاثة آلاف درهم، وأخذ عليه ألا يهجو أحدا بعدها [1] .
فمن هذه القصة نلحظ كيف أغنى أمير المؤمنين ذلك الشاعر الهجاء للناس وأعطاه ذلك المال حتى لا يعود لانحرافه المتمثل في هجاء المسلمين ، فهذا التصرف من أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يعد قاعدة لمن بعده من الولاة والحكومات حتى يكف المنحرف عن انحرافه .
وفي حادثة أخرى تُروى عن الخليفة العباسي المعتضد المتوفى عام (289هـ ) أنه أطلق بعض المسجونين في جرائم بسيطة بعدما استتابهم وأمر لهم بمال وكسوة وردهم إلى أعمالهم [2] .
كما يذكر عن الخليفة الظاهر بأمر الله المتوفى عام (623هـ) أنه أخرج من كان في السجون وأرسل لكل محبوس عشر آلاف دينار لمن كان منهم ليس له مال [3] .
(1) ... أخبار عمر ، علي الطنطاوي، دار الفكر ، بيروت ، 1392هـ ، ص 266 .
(2) البداية والنهاية ، ابن كثير ، مكتبة المعارف ، بيروت ، 1977م ، ج 11 ، ص 87 .
(3) ... الكامل في التاريخ ، ابن الأثير ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، 1403هـ ، ج 9 ، ص 362 .