نستطيع أن نلمس ذلك في العديد من الآثار النبوية وفي العديد من الحوادث في التاريخ الإسلامي ، ومن ذلك ما ورد في السيرة النبوية أن خيل المسلمين أمسكت في إحدى الغزوات بابنه حاتم فحبسها النبي - صلى الله عليه وسلم - في حظيرة بباب المسجد ، ثم منَّ عليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإطلاقها وأمر لها بكساء وإعطائها نفقة وأمر لها بظهر - أي راحلة - يحملها إلى أهلها في الشام [1] ، ومن تلك الحادثة استنبط الفقهاء - رحمهم الله - أن من هدي الإسلام في المحبوس إذا أفرج عنه إعطاؤه كسوة ونفقة تعينه على الوصول إلى أهله إن كان محتاجا إلى ذلك وفي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يورد الصنعاني في كتابه المصنف الحادثة التالية: أن امرأة من أهل اليمن قدمت في ركب حاجّين، فنزلوا بالحرة حتى إذا ارتحلوا ذاهبين تركوها وجاء رجل منهم عمر رضي الله عنه، فأخبره أن امرأة منهم قد زنت وهي بالحرة فأرسل إليها فسألها فقالت يا أمير المؤمنين كنت امرأة مسكينة ويتيمة ليس لي شئ في الدنيا فلا يقبل على أحد منهم، ولم أجد إلا نفسي، فبعث في أثر الركب فردهم فسألهم عما قالت ، فصد قوها، فجلدها مائة، ثم كساها وأعطاها وأمرهم أن يحملوها معهم وقال لا تذكروا ما فعلت [2] .
وفي حادثة أخرى في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نستطيع أن نلمس شيئا من تلك الرعاية اللاحقة ذات الطابع الاقتصادي للمفرج عنه، فلقد ذكرت كتب السيرة أن الزبرقان بن بدر قدم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستعديه على الحطيئة وكان شاعرا مشهورا بالهجاء فقال له عمر رضي الله عنه ما قال فيه فقال الزبرقان بيت الحطيئة المشهور:
... ... دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
(1) السيرة النبوية ، ابن هشام ، تحقيق: طه سعد ، دار الجيل ، بيروت ، 1411هـ ، ج 5 ، ص 276 .
(2) المصنف ، مرجع سابق ، ج 7 ، ص 405 .