المبحث الرابع
الاستثناءات الواردة
على حديث: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»
ذكرنا فيما سبق المحرمات بالرضاع على ضوء ما روته عائشة -رضي الله عنها-: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وهنا نوضح الاستثناءات الواردة على هذا الحديث حيث أن الفقهاء بينوا حالات يحرم فيها بعض النساء من جهة النسب دون أن يحرم نظائرهن من جهة الرضاع؛ لعدم تحقق صلة القرابة التي تقتضي الحكمة الشرعية التحريم بسببها والحالات هي:
أولًا: أم أخيك أو أختك من الرضاع، فإنها تحرم عليك من النسب؛ لأنها أمك أو امرأة أبيك وكلتاهما حرام عليك بقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) ويقول تعالى: (وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ) [1] ، ولكن لو أن امرأة أجنبية أرضعت أخاك أو أختك لم تحرم عليك، فيجوز لك نكاحها؛ لعدم الصلة التي تقتضي التحريم.
ثانيًا: أم ولد ولدك - حفيدك - تحرم عليك من النسب؛ لأنها بنتك أو زوجة ابنك؛ لقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ) وقوله تعالى: (َحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ) [2] ، ولكن لو أرضعت امرأة أجنبية ولد ولدك لم ترحم عليك؛ لامتناع سبب التحريم.
ثالثًا: جدة ولدك [3] من الرضاع لا تحرم عليك؛ لأنه لا صلة بينك وبينها، أما من جهة النسب فتحرم عليك؛ لأنها إما أن تكون أمك أو تكون أم زوجتك - حماتك - وكلتاهما حرام عليك؛ لقوله (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) ، وقوله أيضًا: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) .
رابعًا: أخت ولدك من الرضاع لا تحرم عليك؛ لأنها أجنبية عنك فيجوز لك نكاحها، أما من جهة النسب فتحرم؛ لأنها بنتك أو ربيبتك - بنت زوجتك المدخول بها - وقد ثبت تحريمها بقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ) وقوله: (وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ) سورة النساء.
خامسًا: أم عمك وعمتك من الرضاع لا تحرم عليك لعدم وجود سبب التحريم لها عليك، أما من جهة النسب فتحرم؛ لأنها جدتك أو زوجة جدك وكلتاهما حرام عليك لقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) أي: الأم، وإن علت فتدخل الجدة فهي أم، ولقوله تعالى: (وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ) أي: زوجة الأب وإن علا فيشمل ذلك زوجة الجد؛ لأنه أب قال تعالى: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ) وسيدنا إبراهيم جد للنبي -صلى الله عليه وسلم- أبًا.
(1) الآيتين 22، 23 من سورة النساء.
(2) الآية 23 من سورة النساء.
(3) بلغة السالك ج1 ص515.