المبحث الثالث
المحرمات بالرضاع
مما سبق يبين لنا أن الآية الكريمة لم تتعرض بنصها لغير الأمهات والأخوات من الرضاع إلا أن المفسرين قد فهموا منها تحريم الباقي من المحرمات؛ لأن الله سبحانه وتعالى لما سمى المرضعة أمًا وابنتها أختًا فقد نبه بذلك على أنه أجرى الرضاع مجرى النسب فيفهم الباقي بدلالة النص؛ إذ كيف يحرم عليه أصوله رضاعًا ويحل له ابنة بنته رضاعًا، وكيف تحرم عليه أخته رضاعًا وتحل له ابنتها، وكيف تحرم عليه من التقت معه على ثدي أمه وتحل له أخت أخته رضاعًا، بل كيف تحل له هذه وقد حرمت ابنة أخته والعلاقة واحدة [1] .
ولقد جاءت السنة النبوية بعد ذلك مجلية وموضحة ومؤكدة هذا المعنى، وذلك فيما أوردناه من أحاديث فسرت الآية وبينت أن من يحرم من النسب يحرم من الرضاع، وأن المصاهرة بالرضاعة كالمصاهرة النسبية [2] ، وفي الجملة كل علاقة بسب النسب أوجدت تحريمًا فمثل هذه العلاقة إذا كانت رضاعًا توجب التحريم.
وعليه فالمحرمات من الرضاع تسع أربع منها بالرضاعة المباشرة والباقيات بالمصاهرة رضاعًا، وذلك على النحو التالي:
أولًا: تحرم على الرجل أمهاته اللاتي أرضعنه، وبعبارة عامة أصوله من الرضاعة ... سواء كن من جهة الأب أمن جهة الأم، كأم من أرضعته، وأم أبي من أرضعته، وكذا أم أبيه رضاعًا.
والأب من الرضاع هو زوج المرضعة والذي كان سببًا في اللبن الذي رضعه الطفل.
فإذا تزوجت امرأة برجل أعقبت منه نسلًا فرضع طفل من لبن ذلك النسل فهو ابن للمرأة ولزوجها حتى ولو كانت وقت الإرضاع ليست في عصمة صاحب اللبن.
ثانيًا: يحرم على الرجل فروعه من الرضاع كابنته رضاعًا، والبنت من الرضاع هي التي رضعت من لبن كان هو السبب في وجوده على ما قلناه سابقًا، وتحرم أيضًا ابنة بنته من الرضاع وهي من أرضعتها ابنته الصلبية أو ابنته الرضاعية على ما ذكرناه.
ثالثًا: يحرم على الرجل كذلك فروع أبويه من الرضاع وإن نزلن، سواء كانت صلتهم من جهة الأب أم الأم فيدخل في ذلك أخته الرضاعية - وهي التي أرضعتها أمه- كما يحرم فروعها كذلك.
ويحرم أيضًا أخته التي رضعت من امرأة كانت زوجة لأبيه [3] - إذا رضعت من لبن كان أبوه سببه - وتحرم فروعها كذلك.
رابعًا: يحرم على الشخص فروع أجداده من الرضاع إذا انفصلن عنه بدرجة واحدة، كالعمة والخالة من الرضاع دون بناتهن كما هو الحال في النسب.
(1) الأحوال الشخصية للشيخ محمد أبو زهرة ص 84 وما بعدها.
(2) ما ذكر من أن المصاهرة بالرضاع كالمصاهرة النسبية إنما هو رأي جمهور الفقهاء خلافًا لبعض الحنابلة كابن تيمية وتلميذه ابن القيم حيث توقفا عن ذلك، انظر تفصيلًا الأحوال الشخصية المرجع السابق.
(3) سنوضح هذا تفصيلًا في مسألة لبن الفحل في المبحث التاسع إن شاء الله.