ذهب أبو حنيفة إلى أن الرضاع من حقوق الأبدان التي يطلع عليها الرجال والنساء، ومادام كذلك فلابد من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ولا تكفي شهادة المرضعة لأنها تقرر فعل نفسها وهذا لا يجوز.
واستدل الحنفية على مذهبهم [1] بقوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) .
وجه الدلالة: الآية حددت عدد قبول الشهادة برجين أو رجل وامرأتين، فدل هذا على أنه لا تقبل الشهادة بأقل من ذلك، وذهب مالك إلى أن الرضاع يثبت برجل وامرأة، أو بامرأتين إن فشا منهما، أو من غيرهما قبل العقد، وإن لم يحصل فشو قبل ذلك فلا يثبت الرضاع، كما أنه لا تشترط عدالة الرجل والمرأة أو المرأتين [2] ، والدليل عندهم هو الآية السابقة، وذهب الشافعي إلى أنه يجوز إثبات الرضاع بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين؛ لأن كل ما يقبل فيه النساء الخلص يقبل فيه الرجال، وهذا يثبت بالنساء الخلص لاختصاص النساء بالاطلاع عليه غالبًا كالولادة، وحمل شهادة الرجال ما لم يتعمدوا النظر إلى الثدي لغير الشهادة، وحمل قبول شهادة النساء إذا كان النزاع في الارتضاع من لثدي، أما إذا كان في الشرب والإيجار - الوجور - فلا تقبل فيه شهادة النساء المتمحضات؛ لأنهن لا اختصاص لهن بالاطلاع عليه [3] .
إثبات الرضاع بأربع نسوة:
ذهب الشافعي وعطاء الخراساني إلى القول بإثبات الرضاع بأربع نسوة يجوز أن تكون منهن المرضعة بشرط أن لا تعرض بطلب أجرة، فإن فعلت أخذت الأجرة وردت شهادتها واستدل الشافعية على الأربع نسوة بقوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) .
فقد دلت الآية كما أسلفنا على أن الرجل الواحد عديل امرأتين.
والواقع أن الرضاع لا يختص بالنساء وحدهن كما ذهب إليه الشافعية في قول، وإنما يشترك فيه الرجال مع النساء حيث أن المحارم من الرجال ينظرون إلى ثدي محارمهم عند الرضاع وهم مقبولون الشهادة، فضلًا عن أن الحرمة كما تحصل بالارتضاع من الثدي تحصل بالوجور والسعوط واللدود ويخلط اللبن بغيره والنساء والرجال في الاطلاع على ذلك سواء، فإذا ثبت الرضاع بأي طريق من الطرق ثبت التحريم أخذًا بالأحوط، وعملًا بما عليه الجمهور من الندب والأخذ بالأفضل كما تقدم وسيرًا على القول بأن ترك امرأة حلال خير من نكاح امرأة محرمة.
شهادة المرأة المرضعة:
اتفق الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على أن المرأة الواحدة لا يثبت بشهادتها الرضاع إذا كانت أجنبية عن الزوجين أو كانت أما لأحدهما، أما إذا كانت الشاهدة هي التي أرضعت، فقد اختلف الفقهاء في هل يثبت الرضاع بشهادتها وحدها أم لا؟ وذلك على قولين:
القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن شهادة المرأة المرضعة بالرضاع تقبل.
القول الثاني: ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن شهادة المرضعة وحدها لا تقبل.
(1) بدائع الصنائع المرجع السابق.
(2) بلغة السالك ج1 ص517 - حاشية الدسوقي ج2 ص507.
(3) مغني المحتاج للشربيني ج3 ص424.