من الرضاع ما يحرم من الولادة» يقتضي التحريم من الرضاع، ولا يظهر وجه نسبة الرضاع إلى الرجل مثل ظهور نسبة الماء إليه والرضاع منها [1] ، وقالوا: إن عمل بمقتضى حديث عائشة أوجب أن يكون ناسخًا لهذه الأصول؛ لأن الزيادة المغيرة للحكم ناسخة مع أن عائشة لم يكن مذهبها التحريم بلبن الفحل وهي الراوية للحديث.
المناقشة:
ناقش الجمهور أدلة القائلين بأن لبن الفحل لا يحرم وذلك على النحو التالي:
أولًا: حديث عائشة: «جاء أفلح .... » شرع زائد على ما في الكتاب ولا مانع؛ لأن السنة مكملة للكتاب، ولم تأت الآية: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ) وحديث: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» على جهة التأصيل لحكم الرضاع، وإنما وردا مجملين وجاء حديث عائشة مبين لهما.
والقول بأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لم يحدث هنا تأخير؛ لأن الآية أتت في حينها بحكم مطلوب، وبعد نزول الحجاب أتت السنة بشيء زائد وكانت الحاجة داعية إليه، والعمل بالآية وحديث عائشة أولى؛ لأن القاعدة الأصولية العامة تذهب إلى أن الجميع بين الدليلين أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر، وأن إعمال أحد الدليلين وإهمال الآخر أولى من ترك الدليلين معًا.
ثانيًا: أما الاستدلال بحديث زينب بنت أم سلمة، والقول بأنها سألت وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متوافرين، وقالوا: إن الرضاعة من قبل الرجال لا تحرم شيئًا، نقول بأن الاجتهاد من بعض الصحابة لا يعارض النص ولا يصح دعوى الإجماع لسكوت الباقين؛ لأننا نقول نحن نمنع.
1 -إن هذه الواقعة بلغت كل المجتهدين من الصحابة حيث تثبت عن علي القول بالتحريم بلبن الفحل كما أن ابن عباس لما سئل عن المرأتين اللتين أرضعتا غلامًا وجارية وهل يصلح الزواج بينهما قال: لا، اللقاح واحد [2] .
2 -تمنع أيضًا أن السكوت في المسائل الاجتهادية يكون دليلًا على الرضا.
ثالثًا: وأما المعقول فنقول أن اللبن وجد بسبب ماء الرجل والمرأة معًا فيجب أن يكون الرضاع منهما جميعًا كما أن الولد لهما جميعا كالجد لما كان سبب الولد أوجب تحريم ولد الولد به لتعلقه بولده [3] ، وقد أشرنا إلى ذلك قبلًا.
وأما القول بأن عائشة عملت بخلاف ما روت، فالحجة روايتها لا رأيها وقد تقرر في الأصول أن مخالفة الصحابي لما رواه لا تقدح في الرواية، مما سبق يتضح لنا أن الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن لبن الفحل يحرم وهذا ما أميل إليه وأرجحه.
والله أعلم.
(1) تفسير القرطبي ج5 ص111.
(2) فتح الباري ج9 ص151 - بدائع الصنائع ج4 ص3.
(3) فتح الباري ج9 ص151 - بدائع الصنائع ج4 ص3.