الصفحة 27 من 42

المبحث التاسع

مسألة لبن الفحل

إذا كنا قد عرفنا ن المرأة المرضعة تصير بالرضاعة أمًا للطفل الذي رضع فتحرم عليه هي وأمهاتها وبناتها وأخواتها، على ما أسلفناه، فإننا في هذا المبحث سنوضح ما إذا كان الرجل زوج المرضعة يصير -كذلك- أبًا للطفل بتلك الرضاعة أم؛ لأن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معًا.

وصورة لبن الفحل هي: أن يكون لرجل امرأتان حملتا [1] منه وأرضعت إحداهما ذكر بينما أرضعت الأخرى أنثى، فهل يحل النكاح بين الذكر والأنثى أم لا؟.

اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي [2] وأحمد والأوزاعي والثوري إلى أن لبن الفحل يحرم- أي يصير زوج المرضعة أبًا للمرضع - فيحرم بينهما ومن قبلهما ما يحرم من الآباء والأبناء الذين من النسب- وهذا القول مروي عن علي وابن عباس -رضي الله عنهم أجميعن-.

القول الثاني: إن لبن الفحل لا يحرم وهو قول عائشة وابن الزبير وابن عمر وابن المسيب وعطاء الخراساني والنخعي وتبعهم الظاهرية.

سبب الخلاف: سبب اختلاف الفقهاء هو: معارضة ظاهر الكتاب لحديث عائشة المشهور والآية في قوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ) وأما الحديث فهو قول عائشة -رضي الله عنها-: جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن علي بعد ما أنزل الحجاب فأبيت أن آذن له، وسألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «إنه عمك فأذني له» فقلت: يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل فقال: «إنه عمك فليلج عليك» أخرجه البخاري ومسلم [3] .

فمن رأى أن ما في الحديث شرع زائد على ما في الكتاب وهو قوله: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ) وعلى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» قال: لبن الفحل محرم وهذا قول الجمهور.

ومن رأى أن آية الرضاع وقوله -عليه السلام-: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» إنما ورد على جهة التأصيل لحكم الرضاع؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة قال: ذلك الحديث بمقتضاه أوجب أن

(1) بدائع الصنائع ج4 ص3 - أحكام القرآن لابن العربي ج1 ص376.

(2) بدائع الصنائع المرجع السابق - المقدمات المهمات لابن رشد ج2 ص67. - المدونة الكبرى ج2 ص289 - تكملة المجموع ج18 ص210 - المغني لابن قدامة ج8 ص177.

(3) فتح الباري ج9 ص150 - مسلم بشرح النووي ج10 ص21 وما بعدها - سنن النسائي ج6 ص103 - ابن ماجه ج1 ص627.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت