الصفحة 26 من 42

الترجيح

وبعد أن ذكرنا أقوال الفقهاء وأدلتهم ومناقشتها وسبب خلافهم في حكم رضاع الكبير نجد أن القول الراجح إنما هو قول الجمهور بعدم الحرمة في رضاع الكبير، وأن ما حدث لسالم إنما كان خاصًا به فلا يقاس عليه غيره أو هو نادر ولا حكم للنادر؛ لأن في اعتبار إرضاع الكبير انتهاك حرمة المرأة بارتضاع الأجنبي منها لاطلاعه على عورتها ولو بالتقام ثديها [1] .

وذهب بعض الفقهاء إلى الجمع بين القولين باعتبار الرضاع محرمًا إلا إذا دعت الحاجة إلى إرضاع الكبير الذي لا يمكن احتجاب النساء عنه أو احتجابه عنهن كما هو الحال لسالم، ولقد نهج هذا النهج وسلك هذا المسلك ابن تيمية وتبعه الصنعاني حيث قال ما نصه: «والأحسن في الجمع بين حديث سهلة» ، وما عارضه كلام ابن تيمية فإنه قال: «إنه يعتبر الصغر في الرضاعة إلا إذا دعت الحاجة، كرضاع الكبير الذي لا يستغنى عنه دخوله على المرأة وشق احتجابها عنه، كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثر رضاعه وأما ما عداه فلا بد من الصغر» . انتهى.

فإنه جمع بين الأحاديث حسن وأعمال لها من غير مخالفة لظاهرها باختصاص ولا نسخ ولا إلغاء لما اعتبرته اللغة ودلت عليه الأحاديث [2] .

والمدقق في هذه المحاولة للجمع بين القولين يتضح له أنها محاولة تحمل في طياتها ترجيح قول الجمهور بعدم الحرمة في رضاع الكبير؛ لأن الحاجة التي دعت إلى ارتضاع سالم- حيث أن أبا حذيفة كان قد تبناه عملًا بما كان متبعًا قبل النهي عن التبني ثم نزول آية الحجاب - ليست موجودة الآن.

والله أعلم.

(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري ج9 ص148.

(2) سبل السلام للصنعاني ج3 ص1154 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت