المبحث الثامن
حكم رضاع الكبير
عرفنا فيما سبق أقوال الفقهاء وأدلتهم في مدة الرضاع المحرم بالنسبة للطفل، وهنا نتكلم عن رضاع الكبير الذي يزاد سنه عن مدة الرضاع هل يحرم أم لا؟.
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء الحنفية [1] والمالكية والشافعية والحنابلة ومن وافقهم إلى أن رضاع الكبير لا تثبت به حرمة.
القول الثاني: ذهب الليث بن سعد وداود الظاهري وابن حزم [2] إلى أن رضاع الكبير يحرم، وهو مذهب عائشة [3] -رضي الله عنها-.
سبب الخلاف: والسبب في اختلاف الفقهاء في رضاع الكبير هو: تعارض الآثار في ذلك، فقد ورد في ذلك حديثان: أحدهما: حديث سالم وقد تقدم، والثاني: حديث عائشة أخرجه البخاري ومسلم قالت: «دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعندي رجل فاشتد ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «انظرن من إخوانكن من الرضاعة، فإن الرضاعة من المجاعة» .
فمن ذهب إلى ترجيح هذا الحديث قال: لا يحرم اللبن الذي لا يقوم للمرضع مقام الغذاء إلا أن حديث سالم نازلة في عين، وكان سائر أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يرون ذلك رخصة لسالم.
ومن رجح حديث سالم وعلل حديث عائشة بأنها لم تعمل به قال: يحرم رضاع الكبير، وهم الليث بن سعد والظاهرية ومن وافقهم.
الأدلة:
أدلة القول الأول: استدل الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على أن رضاع الكبير لا تثبت به حرمة بالكتاب والسنة.
أما الكتاب: فبقوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) [4] .
وجه الدلالة: أن الله سبحانه وتعالى جعل تمام الرضاعة حولين، فدل هذا على أنه لا حكم لها بعدها.
وأما السنة، فقد وردت أحاديث كثيرة منها:
(1) بدائع الصنائع ج4 ص5 - المدونة الكبرى ج2 ص289 - المقدمات المهمات لابن رشد ج2 ص68 - تكملة المجموع ج18 ص212، المغني لابن قدامة ج8 ص177.
(2) القرطبي ج5 ص109 وما بعدها - المحلى ج 10 ص17 وما بعدها.
(3) الجصاص ج1 ص410.
(4) الآية 233 سورة البقرة.