وبعد أن سقنا أقوال الفقهاء وأدلتهم في مقدار اللبن المحرم ثم مناقشتها نستطيع أن نرجح القول القائل: بأن المقدار المحرم من اللبن إنما هو خمس رضعات معلومات متفرقات، وهو قول الشافعية ومن وافقهم وذلك للآتي:
أولًا: إن حديث عائشة -رضي الله عنها- «كان فيما أنزل من القرآن .... » قد خص عموم قوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ) وكذا عموم قوله -عليه الصلاة والسلام-: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» والسنة مفسرة للقرآن ومبينة له، فيكون حديث عائشة قد فسر الآية وبيّن أن المقدار المحرم إنما هو خمس رضعات وليس أقل من ذلك.
ثانيًا: إن العمل بهذا القول فيه تيسير على الناس ودفعًا للمشقة عنهم ورفعًا للعسر؛ لأنه من الحرج أن يحصل التحريم بالقليل من الرضاع الذي تسبب فيه في غالب الأحوال ظرف اضطراري أو عذر قهري مع أن الدين يسر لا عسر، قال تعالى: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [1] ، قال ابن حزم الظاهري في المحلى مؤيدًا قول الشافعية ومن وافقهم ومشيرًا إلى صحة حديث عائشة وحديث سهلة بنت سهل في قصة سالم: «هذان خبران في غاية الصحة وجلالة الرواة وثقتهم ولا يسع أحدًا الخروج عنها ... فالآية والأخبار الثابتة كل ذلك حق لكن لما جاءت رواية الثقات بأنه لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، وإنه إنما يحرم خمس رضعات كانت هذه الأخبار زائدة على ما في تلك الآية وتلك الأخبار، وكانت رواية ابن جريج في حديث أبي حذيفة - قصة سالم - خمس رضعات هي زائدة وابن جريج ثقة لا يجوز ترك زيادته التي انفرد بها» .
واستطرد ابن حزم في الرد على المخالفين للشافعية قائلًا: «والمخالفون تركوا عموم القرآن في قطع السارق لرواية فاسدة في العشرة دراهم وكزيادة المالكية التدلك في الغسل على ما في القرآن لغير نص وكزيادة الحنفية الوضوء من النبيذ ومن الرعاف والقيء لروايات في غاية الفساد» [2] .
ثالثًا: قول الشافعية يعمل بكل الأدلة ويجمع بينها، والعمل بكل الأدلة أولى من إعمال بعضها وإهمال البعض الآخر.
وقبل أن نختم هذا المبحث نقول: إذا شك في وجود الرضاع أو في عدد الرضعات المحرمات لم يثبت التحريم؛ لأن الأصل عدمه فلا نزول عن اليقين إلى الشك [3] .
والله أعلم.
(1) الآية 185 سورة البقرة.
(2) المحلى لابن حزم ج10 ص15 وما بعدها.
(3) تكملة المجموع ج 18 ص218 وما بعدها - المغني لابن قدامة ج8 ص172.