الصفحة 21 من 42

توفي، وبعض الناس يقرأ بخمس رضعات ويجعلها قرآنًا متلو لكونه لم يبلغ النسخ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يتلى، والنسخ ثلاثة أنواع:

أحدها: ما نسخ حكمه وتلاوته كعشر رضعات.

الثاني: ما نسخت تلاوته دون حكمه كخمس رضعات وكالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما.

الثالث: ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته وهذا هو الأكثر [1] ، ومنه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) [2] .

ونجيب عن الاعتراض الثاني: بأن كونه غير محفوظ ممنوع بل قد حفظه الله برواية عائشة له، والمعتبر حفظ الحكم - ولو سلمنا انتفاء قرآنيته لكان سنة - لكون الصحابي راويًا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لوصفه له بالقرآنية.

ونجيب عن الثالث: بأن مطلق الرضاع في الآية والحديث مقيد بالأحاديث التي بينت عدد الرضعات كما في حديث عائشة.

ونجيب عن الرابع: بأنه قد يكون ترك الاستفصال مرده إلى سبق البيان منه -صلى الله عليه وسلم- للقدر المحرم [3] .

وأما القول بالتحريم بثلاث رضعات وهو رواية عن أحمد وأبي ثور وابن المنذر ومن وافقهم، فقد استدل عليه بالمفهوم، والاستدلال بالمفهوم ليس محل اتفاق بين الفقهاء حيث لم تقل به الحنفية فضلًا عن أن الأحاديث التي تدل على أن الرضاع المقتضي للتحريم هو خمس رضعات دافعة لهذا القول.

وأما القول بالتحريم بسبع رضعات فلا دليل عليه والعشر رضعات فقد بينا أنه كان قرآنًا ثم نسخ إلى الخمس.

وأما ما ذهب إليه الحنفية والمالكية ومن وافقهم من أن قليل اللبن وكثيره سواء في التحريم مستدلين بعموم قوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ) وقوله -عليه السلام-: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فقد ذهب الشافعية ومن معهم إلى أن هذا العموم خص بما ورد من أحاديث تدل على العدد كحديث عائشة: «كان فيما أنزل من القرآن .... » والسنة فسرت الآية، قال ابن قدامة في المغني: «والآية فسرتها السنة وبينت الرضاعة المحرمة، وصريح ما رويناه يخص مفهوم ما رواه فتجمع الأخبار ونحملها على الصريح الذي رويناه» [4] .

الترجيح:

(1) مسلم بشرح النووي ج10 ص29.

(2) الآية 240 سورة البقرة.

(3) تكملة المجموع ج18 ص216 ومما بعدها - نيل الأوطار للشوكاني ج6 ص312.

(4) المغني لابن قدامة ج8 ص172.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت