الصفحة 18 من 42

المبحث السابع

قدر الرضاع المحرم

اختلف الفقهاء في القدر الذي يحرم من الرضاع وذلك على أقوال أربعة:

القول الأول: ذهب الحنفية والمالكية وأحمد في رواية [1] إلى أن التحريم يثبت بالقليل وبالكثير من اللبن، وهو مروي عن علي وابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهم-.

القول الثاني: ذهب الشافعية وأحمد في رواية وابن حزم [2] الظاهري إلى أنه لا يحرم من الرضاع إلى خمس رضعات متفرقات، وهو مروي عن عائشة وابن الزبير وعطاء الخراساني وطاووس.

القول الثالث: ذهب أحمد في رواية وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر إلى أن التحريم لا يثبت إلا بثلاث رضعات.

القول الرابع: روي عن عائشة أنها قالت: «إنما يحرم من الرضاع سبع رضعات» [3] ، وروى عنها وعن حفصة -رضي الله عنهما- أنه: «لا يحرم دون عشر رضعات» .

سبب الخلاف: والسبب في اختلاف الفقهاء في قدر الرضاع المحرم هو: معارضة عموم الكتاب للأحاديث الواردة في التحديد، ومعارضة الأحاديث بعضها بعضًا في ذلك.

فأما عموم الكتاب فقوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ) هذا يقتضي ما ينطلق - أي يطلق - عليه اسم الرضاع، والأحاديث المتعارضة في ذلك راجعة إلى حديثين في المعنى:

أحدهما: حديث عائشة -رضي الله عنها- وما في معناه حيث قال -عليه الصلاة والسلام-: «تحرم المصة ولا المصتان أو الرضعة أو الرضعتان» أخرجه مسلم من طريق عائشة، وعن طريق أم الفضل، ومن طريق ثالث، وفيه قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تحرم الإملاجة والإملاجتان» .

والحديث الثاني: حديث سهلة من سالم أنه قال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أرضعيه خمس رضعات» ، وحديث عائشة في هذا لمعنى أيضًا قالت: «كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهن مما يقرأ من القرآن» .

فمن رجح ظاهر القرآن على هذه الأحاديث قال: تحرم المصة والمصتان.

ومن جعل الأحاديث مفسرة للآية وجمع بينهما وبين الآية ورجح مفهوم دليل الخطاب في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا تحرم المصة ولا المصتان» على مفهوم دليل الخطاب في حديث سالم قال: الثلاث فما فوقها هي التي تحرم، وذلك أن دليل الخطاب في قوله: «لا تحرم المصة ولا المصتان يقتضي أن ما فوقها يحرم»

(1) بدائع الصنائع ج4 ص7 - حاشية الدسوقي ج2 ص502 - بلغة السالك ج1 ص 114 وما بعدها - المغني لابن قدامة ج8 ص171.

(2) تكملة المجموع ج18 ص213 - المغني لابن قدامة ج8 ص171 - المحلى لابن حزم ج10 ص9.

(3) المحلى لابن حزم المرجع السابق ص10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت