فهناك أحاديث كثيرة منها:
1 -عن عائشة -رضي الله عنها- قالت دخل علي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعندي رجل، فقال: «من هذا؟» قلت: أخي من الرضاعة، فقال: «يا عائشة انظرن من إخوانكن من الرضاعة فإنما الرضاعة من المجاعة» [1] متفق عليه.
وجه الدلالة: دل الحديث أن الرضاعة التي تثبت الحرمة بها هي من حيث يكون الرضيع طفلًا يسد اللبن جوعته، أما من كان يأكل ويشرب فرضاعه لا عن مجاعة؛ لأن الطعام والشراب يسد جوعته، ويكون ذلك إذا زاد سنة عن الحولين.
2 -وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يحرم من الرضاع إلا من فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح [2] .
3 -وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: «لا رضاع إلا ما كان في الحولين» رواه الدارقطني.
وجه الدلالة: دل الحديثان على أنه لا رضاع محرم إلا ما كان في الحولين وكان قبل أن يفطم الطفل ويستغني عن اللبن؛ لأنه إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه في هذه السن هو اللبن حيث يكون غذاء بخلافه إذا لم يكن في الحولين أو كان فيهما وفطم، فقد استغنى بالطعام عن اللبن فلا يتعلق بالرضاعة في هذه الحالة تحريم.
وروى يحيى بن سعيد أن رجلًا قال لأبي موسى الأشعري: إني مصصت من ثدي امرأتي لبنًا فذهب في بطني، قال أبو موسى: لا أراه إلا قد حرمت عليك، فقال عبد الله بن مسعود: انظر ما تفتي به الرجل، فقال أبو موسى: فما تقول أنت؟ فقال عبد الله: «لا رضاع إلا ما كان في الحولين» قال أبو موسى: لا تسألوني ما دام هذا الحبر بين أظهركم.
أدلة القول الثالث:
استدل نفر من الحنفية على أن زمن الرضاع المحرم ثلاث سنوات بقوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) فقد دلت الآية على أن مدة الرضاع حولين في حق من أراد تمام الرضاعة، وهذا لا ينفي أن يكون الزائد على الحولين مدة الرضاع في حق الزيادة عليه فالرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: «من أدرك عرفة فقد تم حجه» وهذا لم يمنع زيادة الفرض عليه، فإن طواف الزيارة من فروض الحج، فضلًا عن أن الآية لم تتعرض لما إذا كان الحولان تمام مدة الرضاع في حق وجوب أجر الرضاع أم أنها تمام مدة الرضاع في حق الحرمة، هذه هي أقوال الفقهاء وسبب خلافهم وأدلتهم في مدة الرضاع المحرم، ويظهر منها أنها تتفق في التحريم في الحولين، وأما الخلاف فيما إذا استمر الرضاع إلى ما بعد الحولين والذي أميل إليه وأرجحه هو ما ذهب إليه الجمهور من أن مدة الرضاع حولين دون زيادة وذلك للآتي:
(1) فتح الباري ج9 ص146 - مسلم بشرح النووي ج9 ص33 وما بعدها - نيل الأوطار للشوكاني ج6 ص316.
(2) نيل الأوطار للشوكاني ج6 ص316.